المغرب العربيليبيا

ليبيا وخرائط الطاقة الجديدة.. هل تتحول من منتج محدود إلى ورقة استراتيجية في المتوسط؟

قيل الكثير في الآونة الأخيرة حول إمكانية أن تكون ليبيا إحدى وجهات الاهتمام الدولي لتعويض نقص الطاقة في السوق العالمية، نتيجة أزمة مضيق هرمز الناجمة عن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران وتداعياتها. غير أن معظم هذه القراءات اصطدمت بحقيقة أن الإنتاج الليبي لا يتجاوز نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، في وقت تنتج فيه دول الخليج ملايين البراميل يوميًا، ما يجعل الحديث عن قدرة ليبيا على سد فجوة الطاقة العالمية أقرب إلى المبالغة السياسية منه إلى الحسابات الاقتصادية الدقيقة.


لكن التطورات السياسية الأخيرة تشير إلى أن أهمية ليبيا لا ترتبط فقط بحجم إنتاجها النفطي، بل بالدور الذي يمكن أن تؤديه في إعادة تشكيل خرائط الطاقة في البحر المتوسط. فالمسألة هنا لا تتعلق بتعويض مباشر لنفط الخليج، بقدر ما ترتبط بتوفير هامش أمان إضافي لأوروبا في لحظة اضطراب دولي متصاعد.
المقاربة الأميركية تجاه ليبيا
في هذا السياق، تبدو التحولات في المقاربة الأميركية تجاه ليبيا، التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، جزءًا من مسعى أوسع لإعادة ترتيب توازنات الأمن والطاقة في جنوب المتوسط. صحيح أن تحركات بولس في الملف الليبي سبقت التصعيد مع إيران، إلا أن أزمة الخليج منحت البيت الأبيض فرصة لتسريع هذه المقاربة، خصوصًا مع التركيز الأميركي على توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية داخل ليبيا. ويبدو أن الاقتصاد بات أحد أهم المسارات التي قطعت فيها واشنطن شوطًا واضحًا داخل الملف الليبي. فالاستقرار السياسي في ليبيا، من المنظور الأميركي، لم يعد مجرد هدف دبلوماسي، بل تحول إلى مدخل لضبط جزء من سوق الطاقة، وتأمين خطوط بديلة أو مساندة في محيط البحر المتوسط.
روما تدخل على خط الطاقة الليبية
اللافت في المتغيرات الحديثة أنها جاءت في ظل تحركات أميركية وإيطالية متزامنة. فقد زار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو روما، حيث التقى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، في ظل توترات مرتبطة بالحرب على إيران وموقف أوروبا من التصعيد في مضيق هرمز.


وجاء هذا الحراك بعد زيارة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى روما ولقائه ميلوني، في لقاء حضر فيه ملف الطاقة بصورة أساسية. وتزامن ذلك مع تطور مهم في ملف الغاز الليبي المتجه إلى أوروبا عبر إيطاليا، بعدما غادرت من ميناء رافينا الإيطالي بنية صناعية ضخمة متجهة إلى حقل البوري البحري الليبي، بما يعكس تقدمًا عمليًا في محور الطاقة بين البلدين.


ليبيا لا تعوض الخليج.. لكنها تمنح أوروبا هامش أمان
بالمجمل، تكمن أهمية ليبيا في قدرتها على منح أوروبا هامش أمان إضافيًا في لحظة اضطراب دولي، أكثر من ارتباطها بقدرتها على تعويض نفط الخليج. فأوروبا التي لم تتجاوز بالكامل آثار أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، تدرك أن استقرار ليبيا بات جزءًا من أمنها القومي، لا سيما مع موقعها القريب من جنوب أوروبا وارتباطها التاريخي بمسارات الطاقة الإيطالية.


ومن هنا، تبدو واشنطن أكثر ميلًا اليوم إلى دعم ما يمكن وصفه بـ“الاستقرار الوظيفي” في ليبيا. وهو استقرار لا يعني بالضرورة حلًا سياسيًا شاملًا وسريعًا، بقدر ما يعني ضبطًا نسبيًا للمشهد الليبي بما يضمن استمرار تدفق الطاقة، وتأمين المصالح الغربية، وتخفيف الضغط عن سوق الطاقة الدولي في لحظة شديدة الحساسية.
وبذلك، لا تبدو ليبيا مرشحة لأن تكون بديلًا كاملًا لنفط الخليج، لكنها قد تتحول إلى ورقة استراتيجية مهمة في خرائط الطاقة الجديدة. فالقيمة الحقيقية لليبيا اليوم لا تُقاس فقط بعدد البراميل، بل بموقعها، واحتياطاتها، وقربها من أوروبا، وقدرتها المحتملة على لعب دور في إعادة رسم توازنات البحر المتوسط.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى