مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: عقد اجتماعي مكسور

فحين يتحول قانون الأسرة من ضمانة استقرار إلى وثيقة نزاع مؤجل، نادراً ما يُنظر إلى القوانين باعتبارها مرآة لصحة المجتمع النفسية والاجتماعية، لكن قانون الأسرة تحديداً ليس مجرد نصوص تنظيمية جافة، بل هو تجسيد للفلسفة التي تحكم العلاقات الإنسانية الأكثر حميمية في أي وطن.

وحين يتحول هذا القانون إلى ساحة صراع بين النخب، وإلى ترسانة من البنود التي تفترض سوء النية مسبقاً، فإن المشكلة لا تعود مقتصرة على مادة قانونية مثيرة للجدل، بل تمتد إلى خلل عميق في تصور الدولة لدورها تجاه مؤسسة الزواج ذاتها.

السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح قبل أي نقاش تفصيلي هو ما الفلسفة الضمنية التي يستند إليها مشروع القانون؟

هل يستند إلى افتراض الثقة والرغبة في استدامة الأسرة، أم يستند إلى افتراض الشقاق والقطيعة والتحوط لأسوأ السيناريوهات قبل أن يبدأ الزواج أصلاً؟

الفارق بين الافتراضين هو الفارق بين بناء بيت على أساس من الطمأنينة، وبناء بيت حُفرت أساساته استعداداً لمعركة قانونية لم تحدث بعد.

إن المتأمل في بعض مواد القانون المقترح يكتشف بسرعة أن الروح السائدة فيه ليست روح التمكين والحماية، بل روح التحوط والمواجهة.

الزواج في هذا التصور لم يعد مشروع حياة مشتركة، بل تحول إلى عقد محفوف بالمخاطر، أشبه بعقود الشركات التي يضع فيها كل طرف الشروط الجزائية قبل أن يبدأ العمل، خوفاً من شريك مستقبلي يُفترض فيه الخيانة أو التقصير.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية أن تتحول المؤسسة الوحيدة القادرة على إنتاج السكينة والمودة في المجتمع إلى مصدر للقلق الوجودي لدى جيل كامل من الشباب.

الشارع المصري لا يقرأ مواد القانون، لكنه يتلقى رسائله الضمنية بوضوح مؤلم.

الرسالة التي تصل إلى الشاب العادي اليوم تقول له: “الزواج مغامرة قد تكلفك مستقبلك المالي وحريتك الشخصية، وربما علاقتك بأبنائك مستقبلاً”.

ورسالة موازية تصل إلى الفتاة تقول: “لا تثقي في الوعود، فالحماية الوحيدة المضمونة هي ما تنتزعيه انتزاعاً بالورقة والقلم قبل أن تبدئي حياتك الزوجية”.

مجتمع يُقبل أفراده على الزواج بهذه العقلية الدفاعية المتوجسة، هو مجتمع يهدم فكرة الأسرة من الداخل قبل أن تمسها أي عوامل خارجية.

الثقة المتبادلة، وهي حجر الزاوية في أي زواج ناجح، تُقتل في مهدها تحت وطأة صياغات قانونية توحي بأن الطرف الآخر خصمٌ يجب الاحتراز منه، لا شريكٌ يُستند إليه.

ثمة مفارقة موجعة هنا إن الدولة من جهة تخاطب الشباب بلغة دينية وأخلاقية عن فضل الزواج وأهمية تكوين الأسرة، ومن جهة أخرى تقدم لهم قانوناً خطابه الضمني لا يختلف كثيراً عن التحذير من الإقدام على هذه الخطوة.

هذا التناقض الصارخ بين الخطابين يفسر جانباً كبيراً من العزوف المتزايد عن الزواج الرسمي، ومن تمدد ظاهرة “الخوف من الالتزام” التي لم تعد مجرد حالة نفسية فردية، بل باتت ظاهرة اجتماعية تهدد مستقبل الدولة ذاته.

الحديث عن تهديد مستقبل الدولة ليس مبالغة ولا تهويلاً.

فالمؤشرات الديموغرافية في مصر تروي قصة تستحق الانتباه انخفاض مطرد في معدلات الخصوبة، ارتفاع متسارع في سن الزواج الأول، وتزايد مستمر في نسب الطلاق.

هذه المؤشرات مجتمعةً لا تنذر بأزمة عابرة، بل بتحول بنيوي عميق في طبيعة المجتمع، تحول سيدفع ثمنه الجميع بعد جيل أو جيلين، حين نصحو على مجتمع هرم يعاني نقصاً في قوة العمل واختلالاً في التركيبة السكانية.

في هذه اللحظة الفارقة، لا ينبغي أن يكون همّ المشرّع الأساسي هو “كيف نضمن حقوق كل طرف عند حدوث الطلاق”، بل “كيف نقلل من احتمالات الطلاق أصلاً؟”.

لا ينبغي أن ينشغل بوضع سيناريوهات تفصيلية لمرحلة ما بعد انهيار الأسرة، بل أن ينشغل بتحصين الأسرة من الانهيار.

الملفات الأكثر إلحاحاً في الشارع المصري ليست تلك التي تشغل بال النخب القانونية المتناطحة.

الناس يريدون نفقة تُحدد بعدالة وشفافية، لا أن تتحول إلى وسيلة ضغط أو إلى سبب للتهرب.

يريدون حضانةً تُراعي مصلحة الطفل النفسية قبل أي اعتبار آخر. يريدون استضافةً تمنح الأبناء حقاً طبيعياً في رؤية آبائهم وأمهاتهم، لا أن تتحول إلى مادة للمساومات.

يريدون تقاضياً سريعاً ينهي المأساة بدلاً من إطالتها لسنوات.

هذه القضايا هي ما يمس حياة الملايين، لا فلسفة المواد الخلافية التي يتبارى البعض في نسجها وكأنهم يصممون نظاماً لفض النزاعات الدولية لا قانوناً لأسرة تبحث عن الاستقرار.

في ملف الحضانة تحديداً، هناك حاجة ماسة إلى تجاوز العقلية الصفرية التي تريد انتصار طرف على آخر انتصاراً كاملاً. الأب ليس خصماً للأم، والطفل ليس جائزة للغالب.

المجتمعات السوية تعترف بأن دور الأب في حياة الطفل لا يقل أهمية عن دور الأم، وأن تغييب أحدهما بحجة حماية حقوق الآخر ليس انتصاراً لأحد، بل هزيمة للطفل قبل كل شيء.

هذا الاعتراف ليس تحيزاً ضد المرأة ولا انتقاصاً من دور الأم، بل هو إقرار بواقع نفسي واجتماعي تؤكده كل الدراسات الحديثة عن نمو الطفل واحتياجاته.

وبالقدر نفسه من الوضوح، لا يمكن القفز على حقيقة أن آلاف النساء يعانين من التهرب من النفقة، ومن إجراءات تقاضي مرهقة تستنزف سنوات من أعمارهن.

الحل ليس في فرض قيود تعجيزية على الرجل قبل الزواج تدفعه إلى النفور منه، بل في بناء آليات دولة فعالة قادرة على إلزام المتهربين، وسريعة في إنصاف المتضررين.

المعادلة المطلوبة واضحة توازن يحمي حقوق الجميع دون أن يحول الزواج إلى حلبة مصارعة قانونية.

عدالة لا تغلب طرفاً على حساب آخر، بل تمنع الغلب أصلاً من أن يكون جزءاً من ثقافة الأسرة.

إن أخطر انزياح يمكن أن يقع فيه قانون الأسرة هو أن يتحول من أداة لحماية المجتمع إلى عامل إضافي من عوامل تفكيكه.

في مجتمع يعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية خانقة، ومن تحولات ثقافية مربكة، ومن تآكل في رأس المال الاجتماعي، ينبغي أن يكون القانون هو الملاذ الأخير الذي يعيد التوازن، لا أن يكون هو ذاته مصدراً جديداً لاختلاله.

ما تحتاجه مصر اليوم ليس قانوناً ينتصر لفريق على فريق، بل قانوناً يحمي فكرة “الفريق الواحد” من الانهيار.

ليس قانوناً يكتب بمنطق “ماذا لو فشل الزواج؟”، بل قانوناً يُكتب أولاً بمنطق “كيف نمنح الزواج فرصة حقيقية للنجاح؟”.

الفارق بين المنطقين ليس مجرد فارق في الصياغة، بل هو فارق بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل المجتمع برؤية تستسلم للتشاؤم وتستعد للأسوأ، ورؤية تستثمر في الأمل وتعمل على تحقيقه.

البيت المصري اليوم لا يحتمل مزيداً من الانقسامات.

لا يحتمل قانوناً يُقرأ فتشعر معه المرأة أنها مستهدفة، ويشعر معه الرجل أنه مطارد.

البيت يحتاج إلى ما يُرممه لا ما يوسع شروخه.

يحتاج إلى نصوص تشيع الطمأنينة لا إلى نصوص تزرع الريبة.

يحتاج إلى فلسفة تشريعية تذكر الطرفين بأنهما كانا وسيبقيان -مهما حدث- أبوين، وأن مصلحة الأبناء ينبغي أن تعلو على أي اعتبار آخر.

قانون الأسرة الحقيقي، في نهاية المطاف، هو ذلك القانون الذي يمنح المواطن إحساساً بأن الدولة شريك في بناء أسرته لا مجرد حكم ينتظر انهيارها.

هو قانون يجعل الشباب يُقبلون على الزواج وهم يشعرون بأن ثمة شبكة أمان قانونية تحيط بهم، لا شبكة فخاخ قانونية تنتظرهم. هو قانون يُكتب بلغة الرحمة لا بلغة الصراع، ويُفعل بمنطق العدل لا بمنطق الغلبة.

لأن الحقيقة البسيطة التي ينبغي أن تظل حاضرة في كل لحظة من لحظات مناقشة هذا القانون هي أن الأسرة التي تقوم على الغلبة محكوم عليها بالهزيمة، وأن المجتمع الذي لا يحمي أسرته من الانهيار يرتكب بحق نفسه أقسى أنواع الانتحار البطيء.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى