
يقدّم الدكتور خالد شوكات في كتابه الجديد «العشرية البيضاء» قراءة شخصية وسياسية لعشرية الانتقال الديمقراطي في تونس، مستعيدًا مرحلة عاشها من الداخل، بوصفه منظّرًا فكريًا وفاعلًا سياسيًا شغل مواقع متعددة خلال تلك الفترة.
ويطرح شوكات، في مواجهة السرديات التي تصف تلك المرحلة بـ«السوداء» أو «الفاشلة»، تسمية مغايرة يطلق عليها «العشرية البيضاء»، معتبرًا أنها تمثل مرحلة مرجعية في تاريخ تونس المعاصر، وأنها ستظل محطة مؤسسة لمستقبل البلاد السياسي، رغم ما انتهت إليه من انتكاسة.
معركة التوازن السياسي
ينطلق الكاتب من قناعة أساسية مفادها أن استفراد قوة واحدة بالمشهد السياسي يمثل خطرًا مباشرًا على أي انتقال ديمقراطي ناشئ. ومن هذا المنظور، يفسّر مساهمته في تأسيس حزب نداء تونس باعتباره إطارًا جبهويا جامعًا، هدفه تحقيق التوازن داخل الحياة السياسية.
ويرى شوكات أن هذا التوازن كان ضروريًا لدفع الإسلاميين إلى أن يكونوا طرفًا داخل المعادلة السياسية، لا المعادلة كلها، بما يسمح بتوسيع قاعدة المشاركة ومنع احتكار المجال العام من أي طرف سياسي واحد.
معركة التوافق الوطني
يتوقف الكتاب عند تجربة التوافق بين العائلتين السياسيتين الأكبر في تونس، الدستورية والإسلامية، باعتبارها محاولة لتوسيع دائرة الوسطية والاعتدال، وترسيخ الاستقرار الضروري لأي نظام ديمقراطي في طور التشكّل.
ويضع الكاتب هذه التجربة ضمن سياق إقليمي شديد التعقيد، خاصة بعد تعثر مسارات الربيع العربي وسقوط التجربة الديمقراطية في مصر، وهو ما جعل التجربة التونسية تبدو، في نظره، استثناءً سياسيًا يحاول الصمود وسط بيئة إقليمية مضطربة.
معركة مقاومة الشعبوية
يرى شوكات أن سقوط حكومة الحبيب الصيد عام 2016، والتي كان عضوًا فيها وناطقًا رسميًا باسمها، مثّل بداية صعود المد الشعبوي داخل الحياة السياسية التونسية.
ويعتبر الكاتب أن هذا المد لم يكن حكرًا على تيار بعينه، بل أخذ يتغلغل داخل مختلف العائلات السياسية، الدستورية والإسلامية واليسارية على السواء، قبل أن يبلغ ذروته مع انتخابات 2019 ثم أحداث 25 يوليو 2021، التي انتهت إلى تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي.
إشكالية الوعي التاريخي
لا يكتفي شوكات في كتابه بالسرد السياسي المباشر، بل يطرح إشكالية «الوعي التاريخي» لدى النخب التونسية، وضعف الاستفادة من التجارب المقارنة في إدارة المراحل الانتقالية.
كما يناقش اختلاط المفاهيم بين الثورة والانتقال الديمقراطي، وسوء ترتيب الأولويات الإصلاحية والتنموية، معتبرًا أن هذه العوامل مجتمعة ساهمت في تعثر التجربة الديمقراطية، وأضعفت قدرتها على تثبيت مسارها المؤسسي.
انتكاسة لا نهاية
ورغم الطابع النقدي للكتاب، لا ينتهي شوكات إلى خلاصات تشاؤمية، إذ يؤكد أن ما جرى في تونس يمثل انتكاسة لا نهاية، وأن الديمقراطية ستعود باعتبارها ضرورة تاريخية وتنموية في آن واحد.
وفي خاتمة ذات نفس تأملي، يشبّه الكاتب الشعبوية بفيروس عابر يختبر مناعة المجتمع، معتبرًا أن تجاوز هذه المرحلة قد يسهم مستقبلًا في تعزيز الوعي الجماعي بأهمية الديمقراطية والاعتدال، وإعادة الاعتبار لمسار الانتقال الديمقراطي في تونس.






