
بيت مصري صغير يجلس داخله اب عاجز عن تدبير نفقات الحياة… وام تخشى على مستقبل اولادها… وشاب يؤجل فكرة الزواج عاما بعد عام… وفتاة تتظاهر بالقوة بينما يلتهمها خوف صامت من ان يمر العمر دون اسرة او استقرار.
تلك ليست مشاهد درامية من مسلسل حزين… بل ملامح حقيقية لوطن يتآكل فيه الاطمئنان الاجتماعي ببطء موجع… بينما ينشغل البعض بصياغات قانونية معقدة قد تزيد النار اشتعالا بدلا من ان تطفئها.
سؤال العنوان ليس مبالغة ولا استفزازا سياسيا… بل سؤال يفرض نفسه بقوة على مجتمع يرى اعدادا متزايدة من الشباب تؤجل الزواج او تهرب منه… ويرى اسرا تتفكك بسرعة مخيفة… ويرى اطفالا يدفعون ثمن صراعات قانونية ونفسية لا تنتهي.
فهل جاء مشروع القانون لحماية البيوت فعلا… ام ان بعض مواده وطريقة تقديمه قد تنتهي الى نتيجة عكسية تماما؟
مصر لا تحتاج اليوم الى قانون يستعرض العضلات القانونية ولا الى عشرات المواد المعقدة التي تحول الزواج الى مشروع نزاع مؤجل… مصر تحتاج قانونا يعيد الطمأنينة لفكرة الاسرة نفسها… ويمنح الشباب شعورا بأن الدولة تساعدهم على بناء البيوت لا على الهروب منها.
واقع الناس ابسط بكثير من بعض المناقشات النخبوية المغلقة.
زيجات كثيرة تتعثر الان بسبب خلاف على قيمة الشبكة او مقدم الزواج او قائمة الاثاث… فكيف يصبح الحال اذا تحول عقد الزواج الى دفتر شروط طويل مليء بالتفاصيل والبنود والقيود التي تزرع الشك قبل ان تبدأ الحياة؟
خطورة بعض الطروحات الحالية لا تكمن فقط في تعقيد الاجراءات… بل في الرسالة النفسية التي تصل للشباب.
رسالة تقول لهم ان الزواج مخاطرة قانونية مرعبة… وان تكوين اسرة قد يتحول في اي لحظة الى معركة محاكم لا نهاية لها.
مجتمع يرسل هذه الرسالة لابنائه لا ينبغي ان يتفاجأ اذا تراجع الاقبال على الزواج الرسمي او اذا ارتفعت معدلات النفور من فكرة الاسرة نفسها.
قضية الاسرة لا تنفصل عن الاقتصاد ولا عن الامن الاجتماعي ولا حتى عن مستقبل الدولة الديموغرافي.
بلد يتراجع فيه معدل المواليد بصورة مطردة ويشهد ارتفاعا مستمرا في نسب الطلاق وتأخر سن الزواج لا يجوز ان يتعامل مع قانون الاسرة باعتباره مجرد تعديل تشريعي عابر.
الامر اخطر من ذلك بكثير.
دول كثيرة في العالم بدأت تدفع ثمنا باهظا لانخفاض معدلات الانجاب بعد سنوات من تجاهل الازمة.
شيخوخة مجتمعية… نقص في قوة العمل… ازمات انتاج… وتآكل تدريجي في معدلات النمو.
بينما يبدو بعض المسؤولين لدينا منشغلين بصياغات قانونية بعيدة عن السؤال الاهم:
كيف نشجع الناس على تكوين اسرة مستقرة؟
شارع مصري مرهق لا ينتظر اعادة كتابة القانون بالكامل… بل ينتظر معالجة حقيقية لاربع او خمس قضايا تمس حياته مباشرة.
النفقة… الحضانة… الاستضافة… تسريع التقاضي… تبسيط الاجراءات… تلك هي الملفات التي تؤلم الناس فعلا… لا المعارك النظرية التي تدور داخل القاعات المغلقة.
ملف الحضانة تحديدا تحول عند البعض الى ساحة مزايدات لا نقاشا يبحث عن مصلحة الطفل.
اب يأتي مباشرة بعد الام في ترتيب الحضانة ليس اختراعا ولا انقلابا على الطبيعة… بل هو المنطق البسيط الذي تعرفه كل المجتمعات الطبيعية.
الطفل يحتاج اباه كما يحتاج امه… وتهميش دور الاب او التعامل معه باعتباره ماكينة دفع فقط جريمة اجتماعية قبل ان تكون خطأ قانونيا.
مدارس الدولة ومستشفياتها وجامعاتها وكل مؤسساتها تتعامل يوميا مع الاب والام باعتبارهما اساس الاسرة الحقيقي… بينما تبدو بعض التصورات المطروحة وكأنها تنتمي لزمن آخر لا يشبه المجتمع المصري ولا احتياجاته الحقيقية.
ظلم المرأة مرفوض… كما ان تغييب الاب مرفوض.
وقانون يحاول ارضاء طرف عبر سحق الطرف الاخر لن يصنع استقرارا بل سيصنع كراهية ممتدة يدفع ثمنها الاطفال قبل غيرهم.
الاسرة لا تبنى بالغلبة… بل بالتوازن والعدل والرحمة.
ملف الاستضافة ايضا يحتاج الى عقل بارد لا الى شعارات حادة.
الطفل ليس ملفا قضائيا ولا حقيبة تنتقل من يد الى يد… بل انسان يحتاج ان يشعر ان اباه وامه ما زالا جزءا من عالمه حتى لو انتهت العلاقة بينهما.
النقاش الحقيقي يجب ان يكون حول مصلحة الطفل النفسية والانسانية لا حول تسجيل نقاط سياسية او اجتماعية.
نفقة عادلة تعني عدالة للطرفين لا استنزافا لاحدهما ولا تهربا من المسؤولية من الطرف الاخر.
مبالغات غير واقعية تدفع بعض الاباء للهروب… كما ان التهرب من النفقة يترك آلاف النساء والاطفال في مواجهة قاسية مع الحياة.
الحل ليس في الانتقام بل في وضع معايير واضحة وعادلة ومرتبطة بالدخل الحقيقي والقدرة الحقيقية على الانفاق.
اخطر ما يمكن ان يحدث ان يتحول قانون الاسرة من وسيلة لحماية المجتمع الى سبب جديد لتفكيكه.
القوانين لا تقاس بحجم المواد المكتوبة فيها بل بقدرتها على ملامسة الواقع والانتصار للناس لا عليهم.
وطن يعاني اقتصاديا واجتماعيا بهذا الشكل يحتاج اليوم الى تسهيل الحلال لا تعقيده… والى حماية البيوت لا تخويف الشباب منها… والى قانون يشعر المواطن انه كتب من اجله لا فُرض عليه من فوقه.
مصر لا ينقصها مزيد من النزاعات داخل المحاكم… بل ينقصها قليل من العقل وكثير من الرحمة.
قانون الاسرة الحقيقي ليس القانون الذي ينتصر للرجل او للمرأة… بل القانون الذي يمنع سقوط البيت كله فوق رؤوس الجميع.







