
لم يعد الحديث عن انعكاسات التقارب السعودي – الإيراني على الساحة اللبنانية يحتاج إلى كثير من البراهين أو التحليلات المعقدة، فالمؤشرات السياسية والإعلامية والأمنية تتوالى بشكل متسارع، بما يكشف أن لبنان دخل فعلياً في مرحلة إعادة تموضع داخلي تتلاءم مع التحولات الإقليمية الجديدة.
في السنوات الماضية، كان لبنان أشبه بساحة اشتباك مفتوحة بين المحاور، وكانت لغة التصعيد السياسي والإعلامي تتقدّم على أي منطق آخر. أما اليوم، فثمة محاولة واضحة لضبط الإيقاع، ولو تدريجياً، بانتظار تبلور التسويات الكبرى في المنطقة. ومن يراقب المشهد اللبناني يلاحظ أن سقوف الخطاب بدأت تنخفض، وأن كثيراً من القوى المحلية تلقت إشارات مباشرة أو غير مباشرة بضرورة التخفيف من حدة الاشتباك.
ضمن هذا السياق، يمكن قراءة مقال الأمير تركي الفيصل في صحيفة الشرق الأوسط، والذي حمل رسائل أبعد من البعد الإعلامي التقليدي، سواء في لهجته أو في توقيته أو في طبيعة المقاربات التي تضمنها تجاه ملفات المنطقة ولبنان. فالمقال عكس مزاجاً سياسياً سعودياً أكثر هدوءاً وبراغماتية، وأقل اندفاعاً نحو المواجهة المفتوحة.
بالتوازي، تبدو الساحة المسيحية اللبنانية أمام تحولات لافتة. فبعد مرحلة من التصعيد الحاد، ظهرت مؤشرات واضحة على فرملة الاندفاعة التي قادها سمير جعجع في مواجهة العهد ورئيس الجمهورية، خصوصاً في ما يتعلق بخطاب المواجهة المفتوحة مع إسرائيل، والتلويح بخيارات بدت أقرب إلى المغامرة السياسية غير المحسوبة، وصولاً إلى الحديث عن لقاءات مباشرة مع بنيامين نتنياهو أو الانخراط في مشاريع تصادمية تتجاوز التوازنات اللبنانية الدقيقة.
في المقابل، عاد إلى الواجهة خطاب الـ10452 كيلومتراً مربعاً، أي خطاب الدولة والسيادة والعيش المشترك، وهو خطاب يحمل في طياته محاولة لإعادة التموضع ضمن السقف اللبناني التقليدي، بعيداً عن مشاريع الاستفزاز أو كسر التوازنات الداخلية. وهذا التحول لا يمكن فصله عن المناخ الإقليمي الجديد، ولا عن إدراك القوى السياسية أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة حروب مفتوحة، بل مرحلة تسويات وتبريد ساحات.
أما في ما يتعلق بالشق الأمني والسياسي، فإن ما يُنقل عن لسان رئيس مجلس النواب نبيه بري بشأن إمكانية إعلان وقف إطلاق النار بمعزل عن مسار المفاوضات السياسية، يحمل دلالات بالغة الأهمية. فالكلام هنا لا يتعلق فقط بالجنوب أو بالمواجهة مع إسرائيل، بل بإرادة إقليمية ودولية واضحة لمنع الانفجار الكبير، ولو بقيت الملفات الأخرى معلقة. وهذا بحد ذاته تطور نوعي مقارنة بالمراحل السابقة التي كان فيها أي تهدئة مرتبطة بحزم تفاوضية شاملة ومعقدة.
ولعل المؤشر الأكثر إثارة للانتباه، وإن جرى التعامل معه بهدوء، يتمثل في التراجع المفاجئ لتمويل عدد من الوسائل الإعلامية التي لعبت خلال السنوات الماضية دور “المتاريس المتقدمة” في الحرب السياسية والإعلامية داخل لبنان. فما يجري في مؤسسات مثل MTV ونداء الوطن ليس تفصيلاً مالياً عابراً، بل يعكس تبدلاً في الأولويات الإقليمية، وربما بداية مرحلة انتفاء الحاجة إلى هذا النوع من الإعلام التعبوي المرتبط بزمن الاشتباك المفتوح.
وإذا كان “إخراج أرنب” خفض التمويل قد بدأ بهاتين المؤسستين، فإن “الحبل على الجرار” قد يطال تدريجياً مؤسسات أخرى كانت تعيش على فائض التمويل السياسي الخارجي. فالمنطقة تبدلت، واللاعبون الإقليميون يعيدون ترتيب أولوياتهم، ولم تعد الحاجة قائمة إلى ضخ الأموال بالزخم السابق في ساحات إعلامية كانت وظيفتها الأساسية إدارة الصراع الداخلي ورفع منسوب الانقسام.
لبنان إذاً يدخل ببطء مرحلة مختلفة. ليست مرحلة حلول نهائية بالتأكيد، لكنها أيضاً لم تعد مرحلة الانفجار الكبير. إنها مرحلة إدارة النزاعات، وخفض التوتر، وإعادة إنتاج التوازنات، بانتظار ما سترسو عليه التسويات الإقليمية الكبرى. وفي بلد اعتاد أن يكون مرآة للتحولات الخارجية، يبدو أن رياح التقارب السعودي – الإيراني بدأت فعلاً تهب على الداخل اللبناني، ولو بحذر شديد.







