مقالات وآراء

وليد عبد الحي يكتب: لقاء القمة الصيني الأمريكي.. هنا صراع حضاري

اللقاء الذي يجمع الآن بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني تشي جينبنغ في بكين هذه الأيام يشدني بقوة لعلم النفس السياسي بدلا من نظريات العلاقات الدولية، فالرئيس الأمريكي “شخصية تحاول تغليب نوازعها الذاتية على قواعد النظام السياسي التقليدية”، بينما يقابله رئيس صيني تجذرت ثقافته في انضباط كونفوشي في “قفص حزبي واسع”، وينتمي الرئيس الأمريكي لعالم براغماتي تُهندسه اليد الخفية التي صاغها آدم سميث، بينما يتمترس جينبينغ في خنادق “التركيب المادي الذي تشربه من تخصصه في الهندسة الكيماوية من ناحية ومن ديالكتيك هيغل الواقف على قدميه لا رأسه من ناحية ثانية”، كما أننا نجد أنفسنا أمام رئيس أمريكي يغير العالم بثرثرة لا تنقطع بينما يلتزم الرئيس الصيني بقاعدة كونفوشية بأن “الرجل النبيل متردد في القول لكنه مقدام في الفعل”.

أعترفُ للقارئ بأني أرى الرئيس الصيني “تشي” كأهم قادة العالم المعاصرين، وعند انتهائي من دراسة Aubrey Immelman وعنوانها: The Personality profile and leadership Style of China’s presiden XI Jinping الصادر عام 2021، اتضح لي دقة انطباعاتي الأولية، بخاصة أن الدراسة اعتمدت نموذج ثيودور ميلون المعروف في مجال تحليل الشخصية، إذ يعتمد النموذج 34 بعدًا في بنية الشخصية، وهو ما حاولت الدراسة تطبيقه على الرئيس الصيني، بينما لا أظن أنني بحاجة لتكرار الدراسات الخاصة بسيكولوجية ترامب، فقد أشرت لها كثيرًا، وأصبح مضمونها معروفًا.

تتميز شخصية الرئيس الصيني “تشي” طبقًا للدراسة المذكورة ودراسات أخرى يصعب سردها، بما يلي:

1- الحس التاريخي بدور الفرد في التناغم مع “إيجابيات مجتمعه وتطويرها” حتى لو اقتضى ذلك بعض “المركزية في القرار”.

2- لجم النزوع الكارزماتي في القيادة بخاصة النزوع العاطفي، فهو لا يميل لرسم صورة “المهابة والتقديس والتعظيم” بمقدار عنايته بكاريزما “العقل”، فالمركب الكيماوي يأتي نتيجة قوانين مفرداته، وما عليك إلا اكتشاف هذه القوانين بالعقل، بينما في عالم الاقتصاد الترامبي، الدعاية والغواية والصورة والثرثرة تشكل أعمدة الدعاية التجارية للمشروع أو السلعة، وهنا تتجلى كاريزما القلب، وهنا الفرق بين التداعيات الاستراتيجية لكاريزما العقل قياسًا بكاريزما القلب.

3- يبدو أن انهيار الاتحاد السوفييتي يشكل أحد أبعاد مخزون “اللاوعي” عند “تشي”، فتفكك الدولة، وتراجع قوة الجذب للنموذج الماركسي، وتفكك حلف وارسو، كلها قنوات غذت الهاجس التاريخي الموروث لدى “تشي” عن زمن الممالك الصينية المتحاربة (475-221 قبل الميلاد)، ثم التشظي الصيني مع الاستعمار الغربي الحديث لآسيا: بريطانيا أخذت هونغ كونغ، والبرتغال أخذت ماكاو، وتايوان تم فصلها عن الأم، وهواجس الإيغور في الغرب الصيني… إلخ، ولعل إعادة تفسير بناء سور الصين في المناهج التعليمية في المدارس الصينية مؤشر على وخز دائم لهذا الهاجس التاريخي، وأدرك الرئيس أن التماسك الوطني يجب أن يتم على أساس “المركب الكيماوي” بإدراك عميق لتفاعلات التركيب وأسسه.

4- إن مقارنة “جعل أمريكا عظيمة ثانية” في طموحات ترامب وتنظيمه السياسي مدفوعة بثقافة القوة التي تسيطر على كل مرافق الحياة الأمريكية، وأشارت دراسات سبق وأن عرضنا العديد منها في دراسة لي منشورة عام 2024 عن مركزية القوة في السياسة والأدب والرياضة والفن والسلوك الاجتماعي… إلخ الأمريكي، عنوان الدراسة: مركزية القوة في إدارة التفاوض السياسي الأمريكي، بينما تستند نظرة “تشي” إلى الدولة من زاوية الإرث الكونفوشي الذي زرع فكرة “الدولة – الأب”، فكتابات وتصريحات “تشي” ترى الصين لا كدولة قومية فقط بل كحضارة من حقها أن تسعى لاستعادة دورها التاريخي ومن منظور إنساني. ويكفي الإشارة إلى أن نظرية الصعود السلمي التي أرساها المُنظر الصيني جان بيجان تحولت بطلب من “تشي” إلى نظرية “التنمية السلمية” لأن الصعود – حسب تصور تشي – ينطوي على دلالات التراتبية المبنية على القوة.

5- تُجمع الدراسات التي تمكنت من الاطلاع عليها حول سيكولوجية “تشي” على أنه يميل للتخطيط بعيد المدى، خلافًا للتاجر المتلهف على الربح السريع في ثقافة ترامب، كما أن “تشي” يميل إلى ضبط انفعالاته، ويحاول أن يوظف اللغة الرمزية عبر الجسد والإيحاء خلافًا لترامب الذي هو أقرب “للفُشار” (Popcorn) خلال إعداده للأكل كما وصفه أحد الكاريكاتيرات الأمريكية.

وماذا بعد:

سيعود ترامب مدعيًا تحقيق الكثير، وسيكثف شخصنة اللقاء، رغم يقينه بمرارة التعامل مع من كان جده “صن تزو”، وسيترك “تشي” للواقع الحديث عن نفسه المطمئنة لقوانين التفاعل الكيميائي… تاركًا دخان التفاعل لغيره… ربما.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى