من يطرد عقول مصر؟ عصام حجي نموذجًا

ليه أحوالنا دايمًا صعبة؟ هل المشكلة في الشعب؟ هل المصريون شعب منحوس؟ هل هم جهلة أو لا يحبون العمل؟
الأسئلة تبدو قاسية، لكنها تفرض نفسها كلما رأينا مصريين ينجحون في الخارج نجاحًا مذهلًا، ويصبحون جزءًا من نهضة دول أخرى، بينما تخسرهم بلادهم أو تطاردهم بالتشكيك والتقليل والإهانة.
الحقيقة أن المشكلة ليست في الإنسان المصري. الدليل واضح: نفس المصري الذي يُحاصر في بلده، ينجح عندما يجد بيئة تحترم العلم، وتقدّر الكفاءة، وتمنح الفرصة لأصحاب العقول بدلًا من مطاردتهم أو تشويههم.
عصام حجي.. عقل مصري عبر الحدود
الدكتور عصام محمد حجي، العالم المصري المتخصص في علوم الفضاء والكواكب، وُلد عام 1975 في طرابلس بليبيا، ونشأ في أسرة مصرية متوسطة، وكان والده يعمل في الخارج. تنقّل منذ طفولته بين ليبيا وتونس ومصر، قبل أن يبدأ رحلة علمية طويلة قادته إلى فرنسا والولايات المتحدة وقطر. وتشير بيانات علمية منشورة إلى أنه عمل في مجالات أبحاث الرادار واستكشاف المياه والبيئات الجافة والباردة على الأرض والكواكب.
حصل حجي على بكالوريوس العلوم في الفلك من جامعة القاهرة، ثم واصل دراسته في فرنسا، حيث حصل على الماجستير والدكتوراه في علوم الفضاء واستكشاف الكواكب، ليبدأ بعدها مسارًا بحثيًا حافلًا في مؤسسات علمية دولية.
مشوار علمي لا يُقابل إلا بالتقدير في الخارج
عمل عصام حجي في مؤسسات بحثية مرموقة، من بينها وكالة ناسا، ومعمل الدفع النفاث JPL، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، كما شغل منصب كبير العلماء ومدير أبحاث علوم الأرض في معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، وفقًا للتعريف الرسمي المنشور عنه في مؤسسة قطر.
وتتركز أبحاثه على استخدام تقنيات الرادار في دراسة المياه الجوفية والأنظمة الهيدرولوجية، واستكشاف المياه على الكواكب، وعلى رأسها المريخ، إلى جانب دراسات التغير المناخي والمناطق الصحراوية. وتؤكد صفحة ناسا العلمية أن أبحاثه تتعلق برسم خرائط البنى الهيدرولوجية والجيولوجية تحت السطحية باستخدام الرادار.
هذا المسار وحده كان كافيًا ليجعل أي دولة تفخر به، وتضعه في مقدمة نماذجها الملهمة للشباب. لكن في مصر، جرى التعامل معه في لحظات كثيرة لا باعتباره عقلًا علميًا نادرًا، بل باعتباره صوتًا مزعجًا لأنه رفض تزييف العلم.
عندما يصبح رفض الخرافة جريمة
في عام 2013، عُيّن عصام حجي مستشارًا علميًا للرئيس المؤقت عدلي منصور، لكنه لم يستمر طويلًا في هذا الموقع. وكانت نقطة الصدام الأبرز هي رفضه لما عُرف إعلاميًا بـ“جهاز الكفتة”، ورفضه الاستهانة بالعلم والبحث العلمي، واعتبار أن تقديم الوهم للناس باسم العلاج فضيحة لا إنجازًا.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ الهجوم عليه في بعض وسائل الإعلام المصرية، ليس بالنقاش العلمي، ولا بالرد الموضوعي، بل بالتشكيك الشخصي والإهانة والتقليل منه. هنا لا تعود القضية قضية عصام حجي وحده، بل تصبح قضية مجتمع كامل: ماذا يبقى للناس كي تثق في الغد، إذا كنا نشكك في الباحثين والعلماء ورجال الدين والصحفيين وكل أصحاب الرأي؟
وذكرت تقارير إعلامية أن حجي كشف لاحقًا كواليس رفضه استغلال اسمه للتصديق على اختراعات وُصفت بأنها وهمية، ومنها الجهاز المعروف إعلاميًا بـ“جهاز الكفتة”.
بلد يطرد أبناءه ثم يسأل عن سبب تأخره
المفارقة المؤلمة أن دولًا أخرى فتحت أبوابها لعصام حجي وقدّرته، بينما ظلت بلده عاجزة حتى عن منحه ما يليق بقيمته العلمية والإنسانية. هو نفسه قال في أحد تصريحاته إنه لم يحصل على شهادة ميلاد منذ ولادته حتى اليوم، في مشهد رمزي يلخص مأساة عقول مصرية كثيرة لا تجد الاعتراف الأول في وطنها.
فرنسا منحته جنسيتها تقديرًا لتميّزه العلمي، والولايات المتحدة احتفت بجهده البحثي، ومؤسسات دولية تعاملت معه كعالم له مكانته. أما في مصر، فقد تعرّض للتشكيك والهجوم لمجرد أنه قال إن العلم لا يُدار بالدعاية، وإن الدولة لا تُبنى بالخرافة.
السؤال هنا ليس: لماذا ينجح المصريون في الخارج؟
السؤال الحقيقي: من يمنعهم من النجاح داخل بلدهم؟
إلى متى نخسر عقولنا؟
قصة عصام حجي ليست قصة نجاح فردي فقط، وليست قصة عالم هاجر ونجح في الخارج. إنها قصة بلد يخسر أبناءه الموهوبين واحدًا بعد آخر، ثم يتساءل لماذا لا يتقدم.
الدول لا تبنى بالشعارات، ولا بالهجوم على العلماء، ولا بصناعة الخوف حول كل صاحب عقل مستقل. الدول تبنى بالعلم، وبحرية البحث، وباحترام الكفاءة، وبإعطاء الفرصة لمن يستطيعون أن يرفعوا بلادهم إلى الأمام.
ولحد إمتى هنفضل نخسر عقول مصر النابغة لصالح دول أخرى؟
ولحد إمتى يبقى الطريق الطبيعي للعالم المصري أن ينجح بعيدًا عن وطنه؟
ومتى يفهم النظام العسكري في مصر أن الأمم لا تنهض بتخوين العلماء، وإنما باحترام العلم والعقل والإنسان؟





