ذاكرة التاريخوجوه نسائية لا تغيب

من ذاكرة التاريخ.. أمينة السعيد رائدة الصحافة النسائية وسندباد الكلمة الحرة

تزخر الذاكرة الوطنية المصرية بأسماء نساء حفرن لافتات من النور في جدار المجتمع، وفي مقدمة هؤلاء الرائدات يبرز اسم الكاتبة والمفكر الكبيرة أمينة السعيد (1910 – 1995)، التي تعد أول فتاة مصرية تحترف العمل بالصحافة وتجلس على مقعد رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة لمؤسسة صحفية كبرى. تمثل أمينة السعيد صوتاً جسوراً دافع عن حقوق المرأة والأسرة لنصف قرن، متمسكة برؤية تنويرية نبتت جذورها في صعيد مصر، وصقلتها معارك بلاط صاحبة الجلالة لتصبح بمثابة “سندباد الكلمة” التي طوعت القلم لخدمة المجتمع.

من أسيوط إلى رعاية هدى شعراوي.. نشأة الجرأة والتميز

ولدت أمينة السعيد في العشرين من مايو لعام 1910 بمدينة أسيوط، في بيت علم وفكر؛ إذ كان والدها طبيباً مرموقاً يؤمن بضرورة تعليم الفتيات تعليماً راقياً، وهو ما غرس في وجدانها الجرأة وحب المعرفة. وفي سن الخامسة عشرة، التقت بالرائدة النسوية هدى شعراوي، التي لمحت فيها ذكاءً وقاداً فتبنتها برعايتها، ووجهت خطواتها نحو التعليم الجامعي. وبالفعل دخلت أمينة السعيد التاريخ عام 1931 كواحدة من فتيات أول دفعة تلتحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة، لتتخرج في قسم اللغة الإنجليزية عام 1935 حاملة سلاح العلم لمواجهة معارك الحياة.

أول فتاة في بلاط صاحبة الجلالة.. مسيرة العطاء بدار الهلال

بدأت أمينة السعيد شغفها بالصحافة أثناء دراستها الجامعية، فكانت أول فتاة مصرية تقتحم هذا المجال الصعب، وتتنقل بقلمها بين مجلات “الأمل” و”كوكب الشرق” و”آخر ساعة”. ولم تكتفِ بالصحافة؛ بل شاركت في العمل المسرحي في بداية الثلاثينيات تجسيداً لرواية “المرأة الجديدة” لتوفيق الحكيم. وعقب تخرجها، استقر بها المقام في دار الهلال عام 1945 لتصنع مجدها المهني؛ فأسست وترأست تحرير مجلة “حواء” الشهيرة، وترأست تحرير مجلة “المصور”، وبلغت ذروة التقدير الإداري بتعيينها رئيساً لمجلس إدارة دار الهلال عام 1976 كأول امرأة تنال هذا المنصب القيادي.

“اسألوني” ونيابة الشورى.. أربعون عاماً في حل مشكلات البسطاء

امتلكت أمينة السعيد قلباً يتسع لآلام المجتمع، وظهر ذلك جلياً في بابها الأسبوعي الشهير “اسألوني” بمجلة المصور، الذي استمرت تكتب فيه وتستقبل رسائل القراء لمدة 40 عاماً متواصلة، واضعة حلولاً للمشكلات الاجتماعية بأسلوب تربوي حكيم. وإلى جانب المقالات، أثرت المكتبة العربية بمؤلفات قيمة مثل “آخر الطريق”، و”وجوه في الظلام”، و”مشاهدات في الهند”. وتوجت مسيرتها بالتقدير العام؛ فاُنتخبت وكيلة لنقابة الصحفيين، وشغلت منصب السكرتيرة العامة للاتحاد النسائي، وعُينت عضواً بمجلس الشورى تقديراً لرجاحة عقلها.

الأوسمة الرفيعة والرحيل وبقاء الأثر

تقديراً لعطائها الوطني والفكري، نالت أمينة السعيد أرفع التكريمات؛ فحصلت على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، ووسام الجمهورية، ووسام الثقافة والآداب، بالإضافة إلى جائزة “الكوكب الذهبي” الدولية. ورحلت عن دنيانا في الثالث عشر من أغسطس لعام 1995، تاركة خلفها مدرسة صحفية وفكرية تؤكد أن قلم المرأة قادر على قيادة التغيير وصناعة الوعي، وتظل سيرتها من ذاكرة التاريخ إلهاماً لكل جيل يبحث عن التميز والريادة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى