مقالات وآراء

ماهر المذيوب يكتب: المؤسسة القطرية للإعلام… إعادة تموضع هادئة أم بداية تشكّل نموذج إعلامي قطري جديد؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الدوحة | 17 مايو 2026

المؤسسة القطرية للإعلام

إعادة تموضع هادئة… أم بداية تشكّل نموذج إعلامي قطري جديد؟

هنالك شيء يتحرك داخل أروقة واستوديوهات ومنصات المؤسسة القطرية للإعلام.

شيء يتجاوز حدود التغيير الإداري التقليدي، أو تحديث الواجهة التقنية، نحو محاولة تبدو أكثر عمقًا وهدوءًا لإعادة بناء الدور الإعلامي الرسمي القطري، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية والتقلب.

ما يحدث ليس صاخبًا، وليس تحولًا إعلاميًا كاملًا، ولا قطيعة مع الماضي، بل أقرب إلى إعادة تموضع هادئة، تتشكل تدريجيًا داخل الإعلام الرسمي القطري، عنوانها: التخصص، والرقمنة، والكفاءات الوطنية، والذكاء الاصطناعي، والمحتوى التنافسي.

الاقتصادية: الإعلام التخصصي… والاقتصاد بوصفه إجابة

شهدت العاصمة القطرية الدوحة إطلاق قناة “الاقتصادية” من قلب المؤسسة القطرية للإعلام، في تعزيز واضح لباقة قنواتها التخصصية، من قناة الكأس الرياضية إلى أول قناة متخصصة في المحتوى الاقتصادي في البلاد.

ولعل التوقيت نفسه يحمل دلالة مهمة.

فإطلاق قناة اقتصادية بعد أسابيع قليلة من حرب الـ38 يومًا، وما خلّفته من اضطرابات وأسئلة اقتصادية واستراتيجية، يبدو وكأنه رسالة ضمنية تقول إن الاقتصاد لم يعد مجرد قطاع من قطاعات الدولة، بل أصبح جزءًا من الأمن الوطني، والاستقرار المجتمعي، والاستعداد للمستقبل.

إنه انتقال تدريجي نحو إعلام تخصصي أكثر التصاقًا بتحولات الدولة الحديثة، وأكثر قدرة على مخاطبة مجتمع الأعمال والاستثمار والتنمية المستدامة، في منطقة تتغير بسرعة كبيرة.

الموسوعة الإعلامية: محاولة تأسيس مرجعية عربية جديدة

في 24 نوفمبر 2025، ووسط حضور إعلامي رفيع، دشنت المؤسسة القطرية للإعلام أحد أبرز مشاريعها الرقمية الجديدة: “الموسوعة الإعلامية”.

لا تبدو هذه المنصة مجرد مشروع تقني أو أرشيف رقمي تقليدي، بل محاولة لتأسيس مرجعية مهنية وقانونية عربية في المجال الإعلامي، في زمن أصبحت فيه الكلمات نفسها قادرة على إشعال أزمات سياسية وقضائية ومجتمعية عابرة للحدود.

فالموسوعة، بما تقدمه من محتوى إعلامي احترافي رقمي، تسعى إلى تقليل الغموض اللغوي في العمل الإعلامي، وتعزيز المهنية، ورفع الثقافة القانونية لدى الإعلاميين، والحد من سوء الصياغة والخلافات المهنية، وتوحيد الدلالة القانونية للمصطلحات الإعلامية.

وفي بيئة رقمية عربية تعيش فوضى المصطلحات، وتضخم الأخبار الكاذبة، وخطاب الكراهية والتحريض، تبدو هذه الخطوة ذات قيمة استراتيجية بعيدة المدى، خاصة إذا نجحت المؤسسة في تطوير الموسوعة إلى مرجع علمي عربي موثوق في الإعلام الرقمي والقانون الإعلامي.

إذاعة قطر: التمكين الحقيقي يبدأ من الداخل

قرار سعادة الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني، رئيس مجلس إدارة المؤسسة القطرية للإعلام، بتعيين السيد جابر محمد جابر آل سرور مديرًا لإذاعة قطر، لم يكن مجرد تغيير إداري عابر.

بل حمل رسالة أعمق تتعلق بفلسفة التمكين داخل المؤسسة الإعلامية الرسمية.

فالرجل ينتمي إلى جيل مهني بدأ من التفاصيل التقنية الدقيقة داخل الاستوديوهات، وتدرّج بهدوء من مهندس صوت ومخرج إذاعي إلى مواقع الإدارة والقرار، وهو ما يعكس توجهًا متصاعدًا نحو تمكين الكفاءات الوطنية الشابة داخل مفاصل الإعلام الرسمي.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في التمكين، بل في الحفاظ على معيار الكفاءة بوصفه الجسر الوحيد القادر على ضمان الاستمرارية والمصداقية داخل بيئة إعلامية مفتوحة وشديدة التنافس.

فالرهان في النهاية ليس على الجنسية المهنية فقط، بل على القدرة المهنية أيضًا.

الذكاء الاصطناعي: الإعلام يدخل زمنه الجديد

لا تبدو قطر بعيدة عن التحولات الكبرى التي يعيشها العالم في مجال الذكاء الاصطناعي والحكومة الرقمية.

وخلال السنوات الأخيرة، برز دور ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي في الدفع نحو تحديث الإدارة الحكومية، وتعزيز حضور الثورة الصناعية الرابعة داخل مؤسسات الدولة.

ويبدو أن المؤسسة القطرية للإعلام دخلت بدورها هذا المسار، خاصة في مجالات الإنتاج، والمونتاج، وصناعة المحتوى، والتحليل الرقمي، وإدارة المنصات، وتطوير المحتوى القصير.

فالمعركة الإعلامية القادمة لن تُحسم فقط بالكاميرا والاستوديو والمذيع، بل بالخوارزميات، وسرعة الوصول، وإدارة البيانات، وصناعة التأثير الرقمي.

والدول التي لا تطور أدواتها الإعلامية الحديثة، قد تجد نفسها خارج معركة التأثير القادمة، مهما امتلكت من إمكانات تقليدية.

قطر 2027: الإعلام بوصفه قوة دولة

في ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة، تبدو إعادة التموضع داخل المؤسسة القطرية للإعلام مرتبطة أيضًا بصورة قطر الإقليمية والدولية، خاصة مع اقتراب الاحتفاء بالدوحة عاصمةً للإعلام العربي 2027.

ويبدو أن هذه التحولات المتدرجة داخل المؤسسة القطرية للإعلام تجد جزءًا من ديناميكيتها أيضًا في الحضور المتنامي لقيادات إعلامية قطرية جديدة، من بينها سعادة الشيخ خالد بن عبدالعزيز بن جاسم آل ثاني، بما يعكسه من إرادة حقيقية للتمكين للكفاءات الوطنية في كل المواقع، وتعزيز وعيها بتحولات الإعلام الرقمي وتحدياته المتسارعة.

ويأتي ذلك في لحظة إقليمية ودولية أصبحت فيها سرعة التطور والقدرة على التكيف جزءًا من معايير البقاء والتأثير.

لكن الطريق لا يزال طويلًا.

فالجمهور القطري والخليجي والعربي لم يعد يكتفي بالإعلام الرسمي التقليدي، بل يبحث عن محتوى أكثر قربًا من الناس، وبرامج حوارية أكثر عمقًا، وإعلام رقمي سريع وذكي، وسردية وطنية حديثة، ومساحة أكبر للنقاش والتفاعل.

فالناس لا تبحث فقط عن الخبر، بل عن إعلام يفهم قلقها اليومي وأسئلتها وتحولاتها.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة لتجسيد “إعلام قطري عصري… بروح قطرية أصيلة”، قادر على الجمع بين الهوية والانفتاح، والمهنية والسرعة، والدولة والمجتمع، والأصالة والتكنولوجيا.

فالإعلام لم يعد مجرد قطاع خدمي أو منصة لنقل الأخبار، بل أصبح جزءًا من التوازنات الجيوسياسية الحديثة، وأداة من أدوات القوة الناعمة وصناعة النفوذ والثقة والصورة الدولية للدول.

ما يحدث داخل المؤسسة القطرية للإعلام مهم وحقيقي.

وربما لا يتعلق فقط بتطوير مؤسسة إعلامية، بل بمحاولة بناء نموذج إعلامي قطري جديد، يدرك أن معركة المستقبل ليست فقط معركة سياسة واقتصاد، بل أيضًا معركة إعلام وهوية وثقة وصناعة رواية.

الإعلام الذي لا يقرأ زمنه… يفقد جمهوره.

والدولة التي لا تنتج روايتها الحديثة… يكتبها الآخرون عنها.

ماهر المذيوب
عضو مجلس نواب الشعب
مساعد رئيس المجلس للفترة النيابية 2019–2024

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى