ملفات وتقارير

الهيئات الاقتصادية.. أرباح بالمليارات وخسائر تتراكم

تكشف أرقام الهيئات الاقتصادية في مصر عن مفارقة مالية واقتصادية لافتة؛ أرباح ضخمة تُعلن سنويًا، مقابل خسائر متراكمة وديون متزايدة، بينما لا يصل إلى الخزانة العامة سوى جزء محدود من هذه الإيرادات، الأمر الذي يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول كفاءة الإدارة وجدوى استمرار بعض هذه الهيئات بصيغتها الحالية.

وبحسب بيانات الحساب الختامي للعام المالي 2024/2025، حققت الهيئات الاقتصادية أرباحًا تُقدّر بنحو 236.5 مليار جنيه، إلا أن ما تم تحويله فعليًا إلى الخزانة العامة لم يتجاوز 40.8 مليار جنيه فقط، أي ما يعادل 17.3% من إجمالي الأرباح المحققة.

ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تعكس خللًا واضحًا في طبيعة العلاقة بين الهيئات الاقتصادية والموازنة العامة للدولة، خاصة أن جزءًا كبيرًا من الموارد يظل داخل تلك الهيئات أو يُستهلك في سداد التزامات مالية وفوائد قروض، بدلًا من أن ينعكس بصورة مباشرة على الخدمات أو تخفيف أعباء الموازنة.

وفي مقدمة الهيئات التي حققت فوائض مالية كبيرة، جاءت هيئة التأمين الصحي الشامل، بعدما سجلت إيرادات بلغت نحو 69.4 مليار جنيه خلال عام واحد، وحققت فائضًا وصل إلى 52.2 مليار جنيه.

ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإنها أثارت تساؤلات اقتصادية وصحية حول طبيعة هذا الفائض، وما إذا كان ناتجًا عن كفاءة تشغيلية حقيقية، أم بسبب استمرار تحصيل الاشتراكات والرسوم بوتيرة أسرع من توسع الخدمات الصحية المقدمة فعليًا على الأرض.

وفي المقابل، لم تكن الصورة إيجابية بالكامل، إذ أظهرت البيانات أن 11 هيئة اقتصادية سجلت خسائر إجمالية تقترب من 16.2 مليار جنيه، فيما جاءت الهيئة الوطنية للإعلام باعتبارها الخاسر الأكبر، بعدما استحوذت وحدها على نحو 91% من إجمالي خسائر الهيئات الاقتصادية.

ولا تتوقف الأزمة عند خسائر العام الحالي فقط، بل تمتد إلى تراكمات مالية ممتدة منذ سنوات، حيث سجلت 22 هيئة اقتصادية خسائر مُرحّلة وصلت إلى نحو 251 مليار جنيه، ما يعكس استمرار أزمات هيكلية تتعلق بالإدارة والتمويل وضعف العائد الاقتصادي.

كما تكشف الأرقام عن تصاعد واضح في أعباء الديون، بعدما ارتفعت فوائد قروض الهيئات الاقتصادية من 60.4 مليار جنيه خلال العام المالي 2023/2024 إلى أكثر من 74.1 مليار جنيه في 2024/2025، بنسبة زيادة بلغت 22.7%.

ويؤكد اقتصاديون أن استمرار ارتفاع فوائد القروض بهذه المعدلات يعني أن جزءًا متزايدًا من الإيرادات يتم استنزافه في خدمة الدين، بدلًا من توجيهه لتطوير الخدمات أو دعم الاستثمارات والإنتاج.

وفي الخلفية، تواصل الحكومة تنفيذ سياسة التخارج وبيع بعض الأصول الاقتصادية تحت مظلة “وثيقة ملكية الدولة”، في إطار خطة تهدف إلى تقليل دور الدولة في بعض القطاعات الاقتصادية وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية.

لكن هذه السياسة أثارت بدورها حالة من الجدل، خاصة بعد تنفيذ صفقات استحواذ على شركات تعمل في قطاعات وُصفت سابقًا بأنها استراتيجية، مثل قطاع الأسمدة والصناعات المرتبطة بالطاقة والإنتاج.

ويرى منتقدون أن المشكلة لم تعد تتعلق فقط بالأرباح والخسائر، بل بغياب رؤية واضحة حول مصير عوائد بيع الأصول، وما إذا كانت تُستخدم لسداد الديون، أو لدعم الموازنة العامة، أو تدخل مجددًا في دوائر الاقتراض والالتزامات المالية المتراكمة.

ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأرقام المعلنة والواقع الاقتصادي الفعلي، خاصة في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الخدمات والدين العام.

وفي ظل هذه المؤشرات، يبقى السؤال الأبرز مطروحًا: كيف تحقق الهيئات الاقتصادية أرباحًا بمئات المليارات، بينما تستمر الخسائر والديون في التراكم، ولا يشعر المواطن بانعكاس واضح لهذه الأرقام على مستوى الخدمات أو الأوضاع الاقتصادية اليومية؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى