مقالات وآراء

خالد عبد الحميد يكتب: الأمن الغذائي .. هل فقدت مصر حلم الاكتفاء الذاتي؟

في عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لم يعد امتلاك السلاح وحده معيار القوة، بل أصبحت القدرة على توفير الغذاء والدواء والمياه من أهم عناصر الأمن القومي لأي دولة.

وخلال السنوات الأخيرة، عاد ملف الاكتفاء الذاتي إلى الواجهة في مصر، خاصة بعد تصريحات المدعو عبد الفتاح السيسي التي أشار فيها إلى صعوبة تحقيق اكتفاء كامل من الغذاء والمياه، في ظل الزيادة السكانية والتحديات الاقتصادية.

لكن هذه التصريحات فتحت بابًا واسعًا من التساؤلات داخل الشارع المصري:
هل المشكلة فعلًا في الإمكانيات؟ أم في طريقة إدارة الموارد والأولويات؟ ام هو قرار سياسي ؟

عرفت مصر عبر تاريخها بأنها دولة زراعية بامتياز.
فـنهر النيل، والأراضي الخصبة، والخبرة الزراعية الممتدة لآلاف السنين، كانت عوامل كافية لجعل البلاد قادرة على تحقيق نسب كبيرة من الاكتفاء في العديد من المحاصيل الاستراتيجية.

لكن الواقع الحالي يكشف اعتمادًا متزايدًا على الاستيراد، سواء في القمح أو الزيوت أو الأعلاف أو غيرها من المنتجات الأساسية، ما جعل الأمن الغذائي المصري مرتبطًا بشكل مباشر بتقلبات الأسواق العالمية.

ومع كل أزمة دولية، ترتفع الأسعار، وتتزايد الضغوط على المواطن، بينما يبقى السؤال حاضرًا:
كيف وصلت مصر إلى هذه الدرجة من الاعتماد على الخارج؟

فيرى كثير من المنتقدين أن الأزمة لا تتعلق فقط بندرة الموارد، بل بطريقة توجيه الإنفاق العام بل عدم اتخاذ قرار سياسي جرئ للاكتفاء الذاتي
وفي الوقت الذي كانت فيه مصر تحتاج إلى توسع حقيقي في الزراعة والصناعة والإنتاج، اتجهت الدولة إلى مشروعات يعتبرها البعض بعيدة عن الاحتياجات الأساسية للمواطن.

كما تعرضت الحكومات المتعاقبة في عهد السيسي لانتقادات بسبب ارتفاع الديون، وتراجع قيمة العملة، واتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

بعد ثورة يناير، طُرحت شعارات تتحدث عن بناء دولة تعتمد على نفسها اقتصاديًا، وكان الرئيس الراحل محمد مرسي قد تحدث أكثر من مرة عن أهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجالات الغذاء والدواء والتصنيع العسكري .

لكن التجربة الناجحة في تلك الفترة البسيطة توقفت سريعًا بعد انقلاب 2013، التي انتهت بعزل مرسي ووصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم من خلال الانقلاب العسكري بدعم المؤسسة العسكرية.

ومنذ ذلك الوقت، لا يزال الجدل قائمًا بين من يرى أن ما حدث كان ضرورة سياسية، ومن يعتبره نقطة تحول أوقفت مسارًا مختلفًا كانت مصر قد تتجه إليه.

فالأمن القومي يبدأ من رغيف الخبز
الدول لا تُقاس فقط بحجم مشروعاتها أو أبراجها أو طرقها الجديدة، بل بقدرتها على حماية مواطنيها من الجوع والفقر والارتهان للخارج.

فالاكتفاء الذاتي ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية، خاصة في منطقة تعيش أزمات متلاحقة وصراعات اقتصادية وسياسية متزايدة.

فالخلاصة ربما لا يكون تحقيق الاكتفاء الكامل أمرًا سهلًا، لكن الأصعب من ذلك هو الاستسلام لفكرة أنه مستحيل.

مصر تملك الأرض، والموقع، والخبرات، والقدرة البشرية.
وما تحتاجه قبل أي شيء، هو إدارة تضع الإنتاج الحقيقي في مقدمة الأولويات، وتعيد بناء الاقتصاد على أساس الاعتماد على الذات، لا على الاستدانة والارتباط الدائم بالخارج حينها لا تكون لمصر صوت ولا كلمة ولا ارادة

فالأمم القوية تُبنى بالإنتاج… لا بالشعارات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى