مقالات وآراء

معتصم الكيلانى يكتب : بين بيروت ودمشق… كيف يتحول ملف “فلول النظام” إلى اختبار للعدالة والسيادة والقانون الدولي؟

على امتداد السنوات التي أعقبت الحرب السورية، تحوّل لبنان، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك البنية الأمنية والسياسية بين البلدين، إلى إحدى أبرز الساحات التي استقرت فيها شخصيات مرتبطة بالنظام السوري السابق، سواء من مسؤولين أمنيين سابقين، أو رجال أعمال، أو أفراد متهمين بالمشاركة في انتهاكات ارتبطت بسنوات النزاع. ومع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، عاد هذا الملف إلى الواجهة بوصفه واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين بيروت ودمشق، ليس فقط من زاوية الأمن أو السياسة، بل من زاوية أكثر تعقيداً تتعلق بمستقبل العدالة الانتقالية، وحدود السيادة الوطنية، وقدرة القانون الدولي على فرض معايير المحاسبة بعد الحروب.
في الظاهر، يبدو السؤال تقنياً: هل يستطيع لبنان أن يسلّم مطلوبين سوريين إلى دمشق؟ غير أن هذا السؤال يخفي خلفه طبقات كثيفة من التعقيد القانوني والحقوقي. فالأمر لا يتعلق بمجرد تبادل مطلوبين بين دولتين جارتين، بل بامتحان حقيقي لقدرة المؤسسات القضائية في المنطقة على الفصل بين العدالة والانتقام، وبين الملاحقة القانونية والتصفية السياسية، وبين مقتضيات الأمن ومتطلبات حقوق الإنسان.
من الناحية القانونية البحتة، يمتلك لبنان وسوريا أرضية تعاون قضائي قديمة تعود إلى اتفاقيات ثنائية أُبرمت منذ منتصف القرن الماضي، وتحديداً اتفاقية التعاون القضائي لعام 1951 وما تلاها من بروتوكولات أمنية وقضائية نظمت تبادل المطلوبين وتنفيذ الأحكام ونقل المحكومين. هذه الاتفاقيات لا تزال، من حيث المبدأ، نافذة قانونياً، وتمنح دمشق حق التقدم بطلبات رسمية لملاحقة أو استرداد أشخاص موجودين داخل الأراضي اللبنانية، شرط احترام الأصول القضائية المنصوص عليها في القانون اللبناني والاتفاقيات الدولية. غير أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي لحسم الملف، لأن لبنان، رغم هشاشته السياسية، لا يستطيع نظرياً تجاوز منظومته القضائية الداخلية ولا التزاماته الدولية في مجال حقوق الإنسان.
هنا تحديداً يبدأ التوتر بين السياسة والقضاء. فالإنتربول الدولي، الذي يُستدعى اسمه بكثافة في هذا النوع من الملفات، لا يمتلك في الواقع سلطة تنفيذية مستقلة، ولا يستطيع فرض الاعتقال أو التسليم على أي دولة عضو. وظيفة الإنتربول تقتصر على تعميم “النشرات الحمراء” بناءً على طلبات صادرة عن سلطات قضائية وطنية، أما تنفيذ هذه النشرات فيبقى خاضعاً حصراً للقانون الداخلي لكل دولة. بمعنى آخر، فإن صدور نشرة حمراء بحق شخصية سورية مقيمة في لبنان لا يعني تلقائياً تسليمها إلى دمشق، بل يفتح فقط الباب أمام القضاء اللبناني للنظر في الطلب وتقييم مشروعيته القانونية. وهذا التفصيل الجوهري غالباً ما يُساء فهمه في الخطاب السياسي والإعلامي في المنطقة.
عملياً، تمر عملية التسليم بسلسلة طويلة من الإجراءات المعقدة. تبدأ المسألة عندما تصدر السلطات القضائية السورية مذكرة توقيف أو حكماً قضائياً بحق الشخص المطلوب، على أن يتضمن الملف توصيفاً واضحاً للجرائم المنسوبة إليه والأدلة الأولية المؤيدة للاتهام. بعد ذلك، يُرسل الطلب عبر القنوات الرسمية، إما مباشرة بين وزارتي العدل في البلدين، أو عبر مكاتب الإنتربول الوطنية. وإذا أوقفت السلطات اللبنانية الشخص المطلوب، يُعرض الملف على القضاء اللبناني الذي يمتلك وحده صلاحية البت بمشروعية التسليم.
وفي هذه المرحلة تحديداً، يتحول الملف إلى قضية حقوقية بامتياز. فالقاضي اللبناني لا يكتفي بالتأكد من وجود مذكرة توقيف، بل ينظر أيضاً في طبيعة الجريمة المنسوبة إلى المطلوب. هل هي جريمة جنائية عادية؟ أم جريمة ذات طابع سياسي؟ وهل يمكن ضمان محاكمة عادلة في سوريا؟ وهل توجد مخاطر حقيقية تتعلق بالتعذيب أو الإخفاء القسري أو التصفية؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلاً إجرائياً، بل تشكل جوهر القانون الدولي المعاصر، خصوصاً بعد اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين يمنعان تسليم أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها لانتهاكات جسيمة لحقوقه الأساسية. ولهذا السبب، كثيراً ما اصطدمت طلبات التسليم في العالم العربي بعقبات قضائية تتعلق بمعايير المحاكمة العادلة وليس فقط بالنصوص الجنائية.
غير أن الملف يتجاوز البعد القانوني الصرف إلى سؤال أعمق يتعلق بمفهوم العدالة الانتقالية نفسه. ففي التجارب التي أعقبت الحروب الكبرى أو سقوط الأنظمة السلطوية، لم يكن تسليم المطلوبين مجرد إجراء أمني، بل خطوة تأسيسية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. العدالة الانتقالية لا تقوم فقط على إسقاط نظام أو تغيير سلطة، بل على تفكيك منظومات الإفلات من العقاب التي تراكمت خلال سنوات النزاع. ومن هذا المنظور، فإن أي تسوية سياسية في سوريا ستبقى ناقصة ما لم تترافق مع مسار واضح للمساءلة القانونية، سواء عبر المحاكم الوطنية أو عبر آليات دولية أو هجينة.
لكن المعضلة السورية أكثر تعقيداً من نماذج العدالة الانتقالية التقليدية. فالنزاع السوري لم يكن مجرد حرب أهلية داخلية، بل ساحة لتشابك إقليمي ودولي واسع، ما جعل ملف الانتهاكات موزعاً بين أطراف متعددة، وفتح الباب أمام استخدام القضاء نفسه كأداة صراع سياسي. لذلك، يخشى كثير من الحقوقيين أن تتحول طلبات تسليم “فلول النظام” إلى امتداد للمعركة السياسية بوسائل قانونية، لا إلى مسار قضائي مستقل فعلاً. ولهذا تبدو الضمانات الإجرائية، وشفافية الملفات القضائية، واستقلالية المحاكم، عناصر حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا المسار يمثل عدالة حقيقية أم مجرد إعادة إنتاج للغلبة السياسية بأدوات قانونية.
في المقابل، لا يستطيع لبنان تجاهل البعد الأمني للملف. فالأجهزة الأمنية اللبنانية والدولية تتحدث منذ سنوات عن شبكات مالية ولوجستية عابرة للحدود، تشمل تهريب الأموال والسلاح والمخدرات وتبييض الأموال، وترتبط أحياناً بشخصيات سورية نافذة سابقة أو بمجموعات مسلحة تشكلت خلال الحرب. ومن هنا، فإن أي تعاون قضائي بين بيروت ودمشق لا يُنظر إليه فقط كاستجابة لطلبات قانونية، بل أيضاً كجزء من محاولة أوسع لإعادة ضبط الحدود الأمنية بين البلدين ومنع تحول لبنان إلى مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج شبكات النفوذ القديمة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل تستطيع المنطقة العربية إنتاج نموذج عدالة انتقالية حقيقي، أم أن الملفات القضائية ستظل رهينة التوازنات السياسية والأمنية؟ ففي نهاية المطاف، لا تُقاس العدالة فقط بعدد المطلوبين الذين يُسلَّمون أو يُحاكمون، بل بقدرة المؤسسات القضائية على إقناع الضحايا والرأي العام بأن القانون يُطبّق بمعزل عن الانتقام، وأن المحاكم ليست مجرد امتداد للسلطة السياسية.
في هذا المعنى، يبدو ملف المطلوبين السوريين في لبنان أكثر من مجرد نزاع قانوني عابر. إنه مرآة لأزمة أعمق تعيشها المنطقة بأسرها: أزمة بناء دولة القانون بعد الحروب، وأزمة الانتقال من منطق القوة إلى منطق العدالة. وبين بيروت ودمشق، لا يُختبر فقط مصير أفراد مطلوبين، بل يُختبر أيضاً ما إذا كان الشرق الأوسط قادراً أخيراً على إنتاج عدالة تتجاوز الثأر والسياسة، أم أنه سيظل يدور داخل الحلقة القديمة نفسها، حيث تختلط العدالة بالقوة، ويصبح القانون نفسه جزءاً من الصراع.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى