
بعد عام على إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، لم يعد السؤال: هل تحتاج البلاد إلى عدالة انتقالية؟ بل: أي عدالة يمكن أن تمنع سوريا الجديدة من أن ترث آليات الخوف ذاتها التي ثارت عليها؟
هذه لحظة مؤسسة. لكنها، كما كل اللحظات المؤسسة في الشرق الأوسط، تحمل خطرين متلازمين: أن تتحول العدالة إلى انتقام، أو أن تتحول المصالحة إلى عفو مقنّع.
فالعدالة الانتقالية ليست مجرد آلية قانونية لتصفية إرث الماضي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة السورية على إنتاج شرعية جديدة، قوامها الثقة لا الخوف، والمؤسسات لا الولاءات، والقانون لا الغلبة.
أولاً: إعادة الضحايا إلى قلب المسار
أول ما تحتاجه الهيئة هو إعادة الضحايا إلى مركز العملية، لا التعامل معهم بوصفهم مادة أرشيفية أو أدوات رمزية في خطاب سياسي.
الضحايا وعائلات المفقودين والناجون من الاعتقال والتعذيب والتهجير يجب أن يصبحوا شركاء فعليين في صياغة السياسات، لا مجرد شهود على ما جرى لهم. فالعدالة التي تُصاغ من فوق، من دون الإصغاء إلى أصحاب الألم أنفسهم، تتحول سريعاً إلى بيروقراطية باردة.
ولهذا، فإن إنشاء مجلس وطني استشاري للضحايا، يرتبط مباشرة بالهيئة، لم يعد ترفاً تنظيمياً بل ضرورة أخلاقية وسياسية.
ثانياً: الحقيقة قبل المصالحة
لا يمكن لسوريا أن تبدأ بالمصالحة قبل أن تعرف ماذا حدث.
الحقيقة ليست تفصيلاً قانونياً، بل هي الشرط الأول لاستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. وأي محاولة للقفز مباشرة نحو التسويات السياسية أو العفو الواسع قبل كشف الوقائع، ستؤدي إلى إعادة إنتاج الاحتقان نفسه تحت أسماء مختلفة.
لهذا ينبغي على الهيئة أن تبدأ ببناء أرشيف وطني شامل للحقيقة، يضم شهادات الضحايا، وسجلات الاعتقال، ووثائق الانتهاكات، وملفات المقابر الجماعية، وكل ما يمكن أن يحفظ ذاكرة السوريين من التلاعب أو النسيان.
فالذاكرة الوطنية ليست ترفاً أخلاقياً؛ إنها جزء من الأمن الوطني للدولة المقبلة.
ثالثاً: ملف المفقودين يجب أن يصبح أولوية وطنية
في سوريا، لا يبدأ الانتقال من قاعة المحكمة، بل من سؤال بسيط وموجع: أين المفقودون؟
هذا الملف ليس إنسانياً فقط، بل سياسي وسيادي أيضاً. فالدولة التي تعجز عن معرفة مصير مواطنيها، أو تتعامل مع اختفائهم بوصفه ملفاً ثانوياً، تفقد جزءاً من شرعيتها الأخلاقية.
لهذا، فإن إنشاء سجل وطني موحد للمفقودين، وحماية المقابر الجماعية، ومنع العبث بالأدلة، وتطوير آليات الطب الشرعي والتعرف على الرفات، يجب أن يتحول إلى أولوية عاجلة لا إلى ملف مؤجل.
فلا مصالحة حقيقية فوق المقابر المفتوحة.
رابعاً: لا مساومة بين الاستقرار والمحاسبة
أحد أخطر الأفكار المتداولة في المجتمعات الخارجة من الحرب هو الاعتقاد أن العدالة تهدد الاستقرار.
لكن التجارب أثبتت العكس: الاستقرار الذي يقوم على الإفلات من العقاب ليس استقراراً، بل هدنة مؤقتة قابلة للانفجار عند أول أزمة.
ولهذا، ينبغي على الهيئة أن ترفض أي ضغوط سياسية تهدف إلى تأجيل المحاسبة أو تفريغها من مضمونها تحت عنوان “الواقعية السياسية”. فالعدالة الانتقالية لا يمكن أن تتحول إلى آلية لتبييض الماضي أو إعادة تدوير مراكز القوة القديمة.
في المقابل، يجب أن تبقى المحاسبة فردية لا جماعية، قائمة على المسؤولية القانونية المباشرة، لا على الانتقام أو التصنيف السياسي أو الجغرافي.
خامساً: العدالة ليست انتقاماً
سوريا لا تحتاج إلى عدالة ثأرية، بل إلى عدالة تبني الدولة.
وهذا يقتضي وضع معايير واضحة للمساءلة: تحديد مستويات المسؤولية، حماية حق الدفاع، منع التشهير الإعلامي، وضمان استقلال التحقيقات عن الاستقطابات السياسية والأمنية.
فالعدالة التي تفقد حيادها تفقد قدرتها على المصالحة.
كما أن الهيئة مطالبة بالفصل الكامل بين العدالة الانتقالية والصراع السياسي اليومي، لأن أخطر ما قد يحدث هو أن تتحول ملفات الضحايا إلى أدوات تفاوض بين القوى المتنافسة.
سادساً: جبر الضرر أوسع من التعويض المالي
الخطأ الشائع في تجارب ما بعد النزاعات هو اختزال جبر الضرر في التعويض المالي.
لكن الضحية لا تبحث فقط عن المال؛ بل عن الاعتراف، وردّ الاعتبار، والكرامة، وضمان عدم تكرار ما حدث.
ك
ولهذا ينبغي أن يشمل جبر الضرر إعادة الحقوق المدنية، استعادة الممتلكات، الدعم النفسي والاجتماعي، تخليد الذاكرة، إصلاح المؤسسات التي شاركت في الانتهاكات، وتقديم اعتراف رسمي بمعاناة الضحايا.
فالعدالة لا تُقاس فقط بعدد المحاكمات، بل بقدرة المجتمع على استعادة ثقته بنفسه.
الدولة التي لا تخاف من الحقيقة
بعد عام على إطلاق المسار، لم يعد المطلوب من الهيئة المزيد من الخطابات أو المؤتمرات، بل برنامجاً واضحاً يمكن قياس نتائجه: كشف الحقيقة، حماية الأدلة، إشراك الضحايا، فتح ملفات المفقودين، إطلاق مسارات محاسبة جدية، وبناء سياسة وطنية لجبر الضرر.
سوريا لا تحتاج إلى عدالة احتفالية. تحتاج إلى عدالة هادئة، دقيقة، وشجاعة.
عدالة لا تنتقم، لكنها لا تنسى.
لا تساوم على الدم، لكنها لا تؤسس لحرب جديدة باسمه.
فالبلاد التي خرجت من عقود الخوف لا تُبنى بالنسيان، بل حين تدرك الدولة أخيراً أن الحقيقة ليست تهديداً لها، بل شرط وجودها





