مصر

صفاء عصام: معركة قانون الأحوال الشخصية تتجاوز سن الحضانة إلى فلسفة التعامل مع المرأة والطفل

تناولت الصحفية صفاء عصام الجدل الدائر حول مشروع قانون الأحوال الشخصية المقدم من حزب العدل، معتبرة أن الخلاف لم يعد مجرد نقاش قانوني حول سن الحضانة، بل تحوّل إلى حالة استقطاب واسعة بين الحزب والمنظمات النسوية حول فلسفة القانون ونظرته للمرأة والطفل والأسرة.

وقالت عصام، في حلقة من برنامجها “يومياتي في البرلمان”، إن الأزمة المثارة حول النائبة فاطمة عادل، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، لا يمكن اختزالها في “خلاف رأي”، بعدما تصاعدت الاتهامات المتبادلة بين أطراف مختلفة؛ إذ هاجم حزب العدل منظمات نسوية انتقدت مشروع القانون، بينما اتهمت تلك المنظمات الحزب بالتراجع عن مبادئه الليبرالية وبطرح مواد تراها “راجعية”.

خلاف قديم يعود إلى أكثر من ست سنوات

وأوضحت صفاء عصام أن الخلاف حول مشروع قانون حزب العدل ليس جديدًا، ولم يبدأ مع تقديم المشروع عبر النائبة فاطمة عادل، بل تعود جذوره إلى أكثر من ست أو سبع سنوات، عندما كان النائب محمد فؤاد عضوًا بمجلس النواب عن حزب الوفد، وتبنّى وقتها مشروع قانون يخفض سن الحضانة وينحاز لرؤية الآباء المتضررين من عدم رؤية أبنائهم.

وأضافت أن مشروع قانون حزب العدل الحالي ليس هو نفسه مشروع النائب محمد فؤاد القديم، الذي يشغل الآن منصب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، لكن كثيرين ما زالوا يعتبرونه المسؤول الأول عن التوجه العام للمشروع، رغم تأكيد نواب الحزب أنهم أجروا تغييرات كبيرة عليه وصلت، بحسب حديثهم، إلى تعديل نحو 50 مادة.

وأشارت إلى أن من بين التعديلات التي يتحدث عنها نواب حزب العدل وجود عقد اتفاق ملزم للطرفين، يتم توقيعه قبل الزواج، ويتضمن عددًا من الترتيبات التي يمكن الرجوع إليها إذا وقع الطلاق لاحقًا.

الخلاف لم يعد على سن الحضانة فقط

وأكدت عصام أن جوهر الخلاف لم يعد محصورًا في سن الحضانة، بل أصبح متعلقًا بالأفكار التي يقوم عليها القانون، وكيف ينظر إلى المرأة داخل العلاقة الزوجية، باعتبار أن قانون الأحوال الشخصية يرتبط بحقوق النساء كما يرتبط بحقوق الأطفال.

ولفتت إلى أن مشروع قانون حزب العدل أبقى على النص الخاص بدعوى الطاعة أو ما يعرف ببيت الطاعة، معتبرة أن هذه النقطة من أكثر النقاط الخلافية، لأنها تكشف، في رأيها، رؤية القانون للمرأة، وما إذا كانت هناك مساواة حقيقية بين طرفي العلاقة الزوجية أم لا.

وقالت إن الدكتورة فاطمة عادل، عندما سُئلت في حلقة سابقة عن سبب الإبقاء على نص الطاعة، لم توضح السبب بشكل كافٍ، لكنها قالت لاحقًا، في تصريحات خاصة لتقرير نُشر حول الموضوع، إن الإبقاء على النص جاء بسبب عدم الرغبة في الدخول في خلاف مع مؤسسة الأزهر، باعتبار أن الأزهر لن يوافق على قانون يلغي فكرة الطاعة.

التفاوض مع المؤسسات وتحسين القانون

ورأت صفاء عصام أن إجابة فاطمة عادل بشأن موقف الأزهر تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول آليات التفاوض مع المؤسسات المختلفة، من أجل الوصول إلى أفضل نسخة ممكنة من مشروع قانون يحقق العدالة وينصف جميع الأطراف.

وأضافت أن هذا النقاش كان من الأفضل أن يُطرح بشكل مباشر خلال الحوار، لأنه يطرح أسئلة أوسع حول حدود التوافق الممكن بين المؤسسات الدينية والتشريعية والحقوقية، وحول كيفية تطوير قانون الأحوال الشخصية دون أن يتحول الأمر إلى معركة استقطاب بين النساء والرجال أو بين الأحزاب والمنظمات النسوية.

مصلحة الطفل بين الأم والأب

وتطرقت عصام إلى موقف المؤسسات الحقوقية، موضحة أنها ترى أن أي مساس بسن الحضانة يمثل تهديدًا مباشرًا لمصلحة الطفل، وأن هذا الموقف يعيد إنتاج المعركة القديمة التي دارت سابقًا مع مشروع النائب محمد فؤاد.

لكنها شددت في الوقت نفسه على أنه لا توجد “مسطرة ثابتة” يمكن من خلالها تحديد مصلحة كل طفل بصورة واحدة، موضحة أن مصلحة الطفل قد تختلف من حالة إلى أخرى، ومن طفل إلى آخر، ومن أسرة إلى أخرى.

وأشارت إلى أن بعض الدول الأوروبية، التي سبقت مصر في ملفات حقوق المرأة والطفل، لا تتعامل مع الحضانة بمنطق قاعدة جامدة تصلح لكل الحالات، بل تعتمد على تقييم واقعي لطبيعة الرعاية التي يتلقاها الطفل، ومن يقوم فعليًا بدوره اليومي في حياته.

من يطعم الطفل ومن يذاكر له؟

وأوضحت عصام أن التجارب الأكثر تقدمًا في التعامل مع الطلاق والحضانة لا تنظر فقط إلى صفة الأم أو الأب، بل تسأل أسئلة عملية: من يستيقظ صباحًا لإطعام الطفل؟ من يذهب به إلى المدرسة؟ من يذاكر له؟ من ينام بجواره؟ من يحميه؟ ومن يتابع تدريباته وحياته اليومية؟

واستشهدت برأي الدكتور نبيل القط، استشاري الطب النفسي، الذي قال في حوار سابق إن أكثر ما يحتاجه الطفل هو الإحساس بالاستقرار، وليس مجرد الوجود مع الأم أو الأب بشكل تلقائي، موضحًا أنه إذا كان الأب يقوم فعليًا بدور الرعاية اليومية ويحمي الطفل ويطعمه ويتابع دراسته وتمارينه، فإن ذلك يجعله مؤهلًا للحضانة وفق مصلحة الطفل.

وأضافت أن العامل الحاسم في رعاية الطفل يتمثل في الاستقرار المكاني واستقرار العلاقات والمدرسة والأقارب، لأن هذه العناصر تشكل وعي الطفل وتمنحه شعورًا بالأمان حتى مرحلة المراهقة.

الرعاية المشتركة تحتاج رقابة ومتابعة

وقالت عصام إن فكرة الرعاية المشتركة بين الأب والأم لا يجب أن تُترك دون ضوابط أو متابعة، بل تحتاج إلى قواعد واضحة وجهات رقابية تتابع تنفيذها وتتأكد من تحقق مصلحة الطفل فعليًا.

وشبّهت ذلك بما تقوم به وزارة التضامن الاجتماعي في متابعة الأسر الكافلة، حيث يتابع أخصائيون اجتماعيون أوضاع الأطفال للتأكد من حصولهم على الرعاية والحب والعيش في بيئة آمنة.

واعتبرت أن إصلاح ملف الأحوال الشخصية يتطلب تغيير المنظومة بالكامل، لا الاكتفاء بمعركة حول سن الحضانة أو الصراع بين “الست والراجل”، لأن الأزمة أعمق من رقم في القانون، وتمتد إلى طريقة إدارة الانفصال وحماية الأطفال وضمان حقوق الطرفين.

مشروع حماة الوطن يفتح جدلًا جديدًا

وفي سياق متصل، حذرت صفاء عصام من أن الساحة التشريعية مقبلة على معركة جديدة بسبب مشروع قانون آخر للأحوال الشخصية مقدم من حزب حماة الوطن، قالت إنه يتضمن استثناءات مرتبطة بخفض سن الزواج من 18 إلى 16 عامًا وفق سلطة القاضي.

وأوضحت أن النائب محمد الحداد، مقدم المشروع، برر ذلك بأنه يستهدف التعامل مع بعض الحالات في مناطق الصعيد والمجتمعات البدوية، وبناءً على ما يتوافر أمام القاضي من معطيات.

غير أن الحداد نفى لاحقًا أن يكون مشروع القانون يبيح الزواج ابتداءً من سن 16 عامًا، مؤكدًا أن النص العام في المشروع يمنع زواج من لم يبلغ 18 عامًا ميلاديًا كاملًا، وأن الحديث عن سن 16 عامًا يتعلق، وفق توضيحه، بحالات استثنائية مرتبطة بزواج تم بالفعل وأسفر عن وجود أطفال، مع منح رئيس محكمة الأسرة سلطة النظر فيها بقرار مسبب وقابل للطعن.

باب قد يعيد أزمة زواج الأطفال

ورغم هذا التوضيح، اعتبرت عصام أن أي صياغة قانونية تفتح باب الاستثناءات قد تعيد الجدل بشأن تزويج الأطفال، في وقت تسعى فيه مشروعات قوانين أخرى، سواء من الحكومة أو من بعض الأحزاب، إلى تجريم زواج القاصرات والحد من آثاره الاجتماعية والقانونية.

وتساءلت في ختام حديثها عما إذا كان مشروع قانون الأحوال الشخصية سيخرج إلى النور قريبًا وسط حالة الاستقطاب والخلافات المتصاعدة، مرجحة أن ذلك لن يحدث في المدى القريب، بسبب تعقّد الملفات المطروحة وتشابك مواقف الأطراف المختلفة.

واختتمت عصام حديثها بالتأكيد على أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في مواد بعينها، بل في الحاجة إلى قانون عادل ومتوازن يحمي الطفل، وينصف النساء، ويضمن حقوق الآباء، بعيدًا عن معارك الاستقطاب والشخصنة التي باتت تحاصر ملف الأحوال الشخصية في مصر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى