الدكتور أيمن نور يكتب: قانون الأسرة… بيوتٌ على حافة التقاضي

شيءٌ ثقيل يهبط على البيوت المصرية منذ سنوات، أثقل من الغلاء، وأقسى من ضيق العيش، وأعمق من مجرد خلافات زوجية عابرة.
خوفٌ صامت يتسلل إلى الأرواح كلما تحولت المودة إلى أوراق، والحب إلى محاضر، والبيت إلى غرفة انتظار طويلة خارج قاعات محاكم الأسرة.
طفلٌ يجلس بين أبويه كأنه سؤالٌ بلا إجابة، وأمٌ تنام بعين مفتوحة خوفًا من الغد، وأبٌ يشعر أن القانون يقترب منه أحيانًا بوصفه متهمًا قبل أن يكون أبًا.
وسط ذلك كله، تمضي الدولة في طريقها لإصدار قانون جديد للأسرة، كأنها تعيد كتابة العلاقات الإنسانية بالحبر الرسمي والأختام القضائية.
قوانين الأسرة ليست كغيرها من القوانين.
قانون الضرائب قد يغضب الناس، وقانون المرور قد يربكهم، لكن قانون الأسرة يدخل البيوت حافيًا، يجلس إلى جوار الأطفال، ويتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويترك أثره في الذاكرة لسنوات طويلة.
ذلك النوع من التشريعات لا يُقاس بعدد المواد، بل بعدد القلوب التي قد يحميها… أو يكسرها.
المشكلة الحقيقية في مشروع القانون المطروح لا تكمن فقط في بعض مواده، بل في الفلسفة التي تقف خلفه.
ثمة شعور واضح بأن الدولة تنظر إلى الأسرة باعتبارها ملفًا إداريًا يحتاج ضبطًا وتنظيمًا وإجراءات تنفيذ، أكثر مما تنظر إليها باعتبارها كائنًا إنسانيًا هشًا يتنفس بالمحبة والرحمة والاحتواء.
هكذا تتراجع الروح شيئًا فشيئًا خلف الجداول، وتختفي الإنسانية خلف الأختام، ويتحول البيت إلى مساحة مراقبة قانونية مستمرة.
اللافت أن المشروع يتحدث طويلًا عن النفقة والتنفيذ والعقوبات والرؤية والاستضافة والولاية، لكنه لا يتوقف بالقدر نفسه أمام السؤال الأخطر: لماذا وصلت الأسرة المصرية أصلًا إلى هذه الحافة المؤلمة؟
لماذا أصبح الطلاق حدثًا يوميًا شبه اعتيادي؟
ولماذا بدأ قطاع واسع من الشباب ينظر إلى الزواج باعتباره مخاطرة مرعبة أكثر منه حلمًا طبيعيًا؟
الإجابة لا توجد كاملة داخل كتب القانون، بل داخل الأسواق والشوارع ووجوه الناس.
الضغوط الاقتصادية الهائلة التي يعيشها المصريون اليوم لم تعد مجرد أرقام في تقارير البنك الدولي أو بيانات التضخم الرسمية، بل تحولت إلى شروخ نفسية داخل البيوت نفسها.
الرجل الذي يعود كل ليلة مهزومًا من الأسعار، والمرأة التي تقضي يومها في محاولة تدبير المستحيل، كلاهما يدخلان العلاقة الزوجية مثقلين بالخوف والتوتر والعجز.
وحين يختنق الاقتصاد… تختنق العلاقات أيضًا.
تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ودراسات صندوق الأمم المتحدة للسكان، وعدد من الأبحاث الاجتماعية الإقليمية، تؤكد جميعها أن التدهور الاقتصادي وارتفاع كلفة المعيشة يرتبطان مباشرة بارتفاع نسب الطلاق وتراجع معدلات الزواج والاستقرار الأسري.
لكن السلطة تبدو وكأنها تريد علاج الانهيار الاجتماعي بالمزيد من النصوص، لا بالمزيد من العدالة الاقتصادية.
البيت المصري القديم لم يكن قائمًا فقط على القانون، بل على شبكة معقدة من الرحمة والتسامح والعائلة الممتدة والدعم الاجتماعي.
أما اليوم، فقد تآكلت الطبقة الوسطى، وتراجعت القدرة على الاحتمال، وأصبحت العلاقات أكثر هشاشة وعصبية، ثم جاء القانون الجديد ليضيف إلى هذا المشهد قدرًا إضافيًا من البرودة والإجراءات والخصومات المحتملة.
أخطر ما في بعض نصوص المشروع أنها تُنتج صراعًا دائمًا حتى بعد انتهاء الزواج نفسه.
بدل أن يصبح الانفصال محاولة أخيرة لتخفيف الألم، يتحول إلى بداية حرب طويلة تُدار عبر المحامين وأوامر التنفيذ وأقسام الشرطة وأروقة المحاكم.
والضحية الحقيقية دائمًا طفلٌ صغير لا يفهم لماذا صار أبوه موعدًا أسبوعيًا، ولماذا أصبحت أمه خائفة طوال الوقت، ولماذا تحولت صورته العائلية القديمة إلى ذكرى محرمة.
النصوص المتعلقة بالرؤية والاستضافة تكشف أزمة عميقة في فهم العلاقة الإنسانية ذاتها.
ثلاث ساعات داخل نادٍ أو مركز شباب لا تصنع أبوة، كما أن دفتر حضور وانصراف لا يمكن أن يبني علاقة نفسية سوية بين طفل وأبيه.
الطفل يحتاج حضورًا طبيعيًا دافئًا، لا موعدًا إداريًا مراقبًا.
وحين يتحول الأب إلى زائر مؤقت في حياة أبنائه، فإن الخسارة لا تصيب الرجل وحده، بل تصيب التوازن النفسي للمجتمع كله.
الرؤية الليبرالية الحقيقية لا تنحاز للرجل ضد المرأة، ولا للمرأة ضد الرجل، بل تنحاز أولًا للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية داخل العلاقة الأسرية.
الأسرة ليست ساحة انتقام متبادل، وليست مؤسسة أمنية، وليست علاقة سلطة، بل عقد إنساني وأخلاقي قائم على الرضا والتوازن والمسؤولية المشتركة.
وحين يختل هذا التوازن لصالح طرف أو مؤسسة أو سلطة، يبدأ الخراب بصمت.
مشروع القانون الحكومي، ومشروع حزب النور المقابل له، يبدوان مختلفين في المرجعية والخطاب، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة مقلقة:
كلاهما يتعامل مع الأسرة باعتبارها مسألة تنظيمية أكثر منها قضية حرية إنسانية وعدالة اجتماعية.
الأول يقترب منها بعقلية الإدارة والتنفيذ، والثاني يقترب منها بعقلية الوصاية الفقهية، بينما تغيب في الحالتين المساحة الكافية للفرد وحقه في الاختيار والتوازن النفسي والإنساني.
الدساتير الحديثة لا تُقاس فقط بنصوص الحريات العامة، بل أيضًا بمدى احترامها للمجال الخاص للإنسان.
وحين تتوسع الدولة أكثر من اللازم داخل أدق تفاصيل العلاقات الإنسانية، يتحول القانون تدريجيًا من أداة لحماية المجتمع إلى أداة لإعادة تشكيله قسرًا وفق رؤية السلطة.
السوابق القضائية للمحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض المصرية شددت مرارًا على ضرورة التوازن في قوانين الأحوال الشخصية، وعلى أن المصلحة الفضلى للطفل لا تعني إقصاء أحد الوالدين، كما أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بالانتقام التشريعي أو الانحياز العاطفي تحت ضغط السوشيال ميديا أو حملات الاستقطاب.
المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة.
الانهيار يبدأ من التفاصيل الصغيرة:
طفلٌ يعتاد الغياب، وفتاةٌ تخاف الزواج، وشابٌ يهرب من فكرة تكوين أسرة، وأبٌ يشعر أنه غريب داخل حياة أبنائه، وأمٌ تتحول سنوات عمرها إلى معركة قانونية لا تنتهي.
ثم تستيقظ الدولة بعد سنوات لتكتشف أن الأزمة لم تعد أزمة قانون… بل أزمة مجتمع كامل فقد ثقته في فكرة العائلة نفسها.
الأسرة المصرية لا تحتاج مزيدًا من القسوة المقنعة بالنصوص، بل تحتاج مناخًا كاملًا يعيد إليها الأمان.
تحتاج اقتصادًا يسمح بالحياة الكريمة، وإعلامًا يحترم المعنى الإنساني للعلاقة، وتعليمًا يبني الوعي لا العصبية، وتشريعًا يخفف الخصومات بدل أن يصنع خصومات جديدة.
ذلك البيت البسيط الذي قاوم الفقر والحروب والهزائم لعقود طويلة، يستحق قانونًا يشعره أن الدولة تحميه لا أنها تستعد دائمًا لاقتحامه بالمحاضر والقرارات والتنفيذ الجبري.
فالبيوت لا تُبنى بالخوف، والقلوب لا تُدار بالأوامر، والحب لا يعيش طويلًا داخل الملفات القضائية.
وحين تصبح الأسرة كلها واقفة على حافة التقاضي، يصبح السؤال أكبر من مجرد مواد قانونية:
أي وطنٍ نتركه لأطفال تربوا على صوت المشاجرات أكثر مما تربوا على صوت الحنان؟







