ملفات وتقارير

جيش على عجلتين بلا رعاية أو تأمينات.. مأساة قطاع التوصيل في مصر

​سلطت بعض التقارير الصحفية الضوء على الطفرة الضخمة في أعداد العاملين بمهنة “الدليفري” (طياري التوصيل) في مصر، معتبرة أن هذه الظاهرة ليست علامة على الانتعاش، بل هي عرض لأزمة هيكلية عميقة في الاقتصاد تلتهم طاقات الشباب ومستقبل البلاد.

​ 1. المؤشرات الرقمية وحجم القطاع

  • حجم القوة العاملة: تُقدر أعداد العاملين في هذا القطاع ما بين 6 إلى 8 ملايين مصري.
  • الفئة المستهدفة: يُمثل هذا القطاع جيشًا من الشباب والخريجين من حاملي الشهادات الجامعية.
  • طبيعة العمل: ساعات عمل طويلة تتراوح بين 12 إلى 14 ساعة يوميًا في مختلف الظروف المناخية القاسية.

​2. الأبعاد والدلالات الاقتصادية

​يُشير التقرير إلى أن تضخم قطاع التوصيل يعكس خللًا في الهيكل الاقتصادي للدولة، ويتمثل في:

  • تراجع القطاعات الإنتاجية: يعكس هذا التضخم توقفًا أو تراجعًا حادًا في قطاعات “الصناعة، الزراعة، والإنتاج” التي من المفترض أن تستوعب هذه الملايين.
  • التحول للاقتصاد الاستهلاكي: تحول المجتمع إلى نمط استهلاكي بحت؛ حيث تقتصر الدورة الاقتصادية على نقل السلع والأطعمة بدلاً من تصنيعها.
  • غياب القيمة المضافة: عجز الدولة عن خلق مشاريع إنتاجية كبرى تستغل “القوة الضاربة” للشباب لتوليد قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

​ 3. الوجه الآخر لـ “اقتصاد العمل الحر” (العبودية المقنعة)

​تحت شعار “أنت مدير نفسك”، يواجه الشباب واقعًا قاسيًا تفرضه تطبيقات التوصيل والشركات الكبرى، يتلخص في:

  • تحمل كامل التكاليف: الشاب هو المسؤول الوحيد عن صيانة وسيلة النقل (المكنة الصيني) وتحمل فروق أسعار الوقود (البنزين).
  • انعدام الحماية: غياب تام للتأمين الصحي أو التأمين الاجتماعي أو أي غطاء تأميني ضد مخاطر الطريق.
  • التخلي الفوري: غياب الأمان الوظيفي؛ إذ تلجأ الشركات لإلغاء تفعيل حساب العامل (الأكونت) فورًا في حال تعرضه لحادث أو عجز، ليتم استبداله في ثوانٍ.

​ 4. الفجوة الطبقية والغياب التشريعي

  • الطبقية الحادة: يعكس القطاع فجوة مجتمعية بين طبقة قادرة مستهلكة (تطلب الأكل في غرف مكيفة)، وطبقة مطحونة تسف التراب لتوصيل الطلبات مقابل “ملاليم” وعمولات زهيدة.
  • الغياب القانوني: غياب كامل لدور الدولة وقانون العمل في تنظيم هذه المهنة، وتجاهل إلزام الشركات المليارية بتقديم حد أدنى من الرعاية أو الحقوق، مما يترك العمال في مواجهة مصيرهم عبر التكافل الذاتي بين الزملاء (الطيارين).
  • إن استنزاف ملايين الشباب على الأسفلت في مهن خدماتية استهلاكية هو “استهلاك لمستقبل البلد”. النهوض الحقيقي يتطلب توجيه هذه الطاقة البشرية الهائلة من الشوارع وتطبيقات التوصيل إلى المصانع، المزارع، وشركات التكنولوجيا والإنتاج.
المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى