ذاكرة التاريخملفات وتقارير

من ذاكرة التاريخ.. عصر الخديوي إسماعيل وبناء الدولة المصرية الحديثة

تزخر الذاكرة التاريخية لمصر بصفحات مضيئة من البناء والتشييد، ويأتي في طليعتها عصر الخديوي إسماعيل (1863 – 1879م)، الذي يوصف بأنه المؤسس الثاني لمصر الحديثة بعد جده محمد علي باشا. فقد شهدت البلاد في عهده قفزة حضارية كبرى شملت التوسع الجغرافي، والنهضة التعليمية، والعمران الفريد الذي منح القاهرة طابعها الأوروبي العريق، لتظل إنجازاته شاهداً على طموح سياسي وإداري فذ سعى لجعل مصر “قطعاً من أوروبا”.

الامتداد الجغرافي وتأمين السواحل الإفريقية

شهد عهد الخديوي إسماعيل توسعاً استراتيجياً غير مسبوق في القارة الإفريقية لتأمين منابع النيل والأمن القومي المصري؛ ففي عام 1865م حصلت مصر من الدولة العثمانية على حق إدارة ولايتي مصوع وسواكن. وتوجت هذه الجهود في عام 1870م بتأسيس محافظة سواحل البحر الأحمر، والتي امتدت الإدارة المصرية فيها من السويس شمالاً حتى “رأس غردافوي” في الصومال جنوباً، مما أحكم السيطرة المصرية على الملاحة والتجارة في البحر الأحمر.

الثورة العمرانية ومظاهر الحضارة الحديثة

ارتبط اسم الخديوي إسماعيل بالطراز المعماري الفخم “القاهرة الخديوية” وإنشاء البنية التحتية للمدن، ومن أبرز معالم تلك الحقبة:

  • قناة السويس: الانتهاء من حفر القناة وافتتاحها عام 1869م في حفل أسطوري عالمي أبهر ملوك ورؤساء العالم.
  • القصور والأوبرا: تشييد قصر عابدين ليكون مقراً للحكم بدلاً من القلعة، وتأسيس دار الأوبرا الخديوية العريقة، وبناء كوبري قصر النيل ليربط ضفتي العاصمة.
  • المرافق العامة: إدخال نظام إضاءة الشوارع بالغاز، ومد أنابيب مياه الشرب النظيفة، وإصلاح وتطوير مينائي الإسكندرية والسويس، بالإضافة إلى بناء 15 منارة في البحرين الأحمر والمتوسط لتأمين حركة التجارة العالمية.

النهضة الزراعية والصناعية الشاملة

عمد إسماعيل إلى تطوير عصب الاقتصاد المصري من خلال مشروعات ري عملاقة، أسهمت في زيادة مساحة الرقعة الزراعية وتدفق المحاصيل؛ حيث تم حفر ترعة الإبراهيمية لتروي أراضي صعيد مصر، وترعة الإسماعيلية لتوصيل المياه العذبة لشرق الدلتا ومدن القناة، مما ضاعف من مساحة الأراضي المنزرعة بالقطن المصري طويل التيلة. وفي مجال الصناعة، شهد عهده طفرة إنتاجية كبرى بإنشاء العديد من المصانع، وفي مقدمتها 19 مصنعاً للسكر في الصعيد والوجه القبلي (مثل مصانع أرمنت، والبلينا، وجرجا، والمنيا، والفيوم)، مما جعل مصر مركزاً إقليمياً لتلك الصناعة.

ريادة التعليم والثقافة وتنوير المجتمع

آمن الخديوي إسماعيل بأن التعليم هو أساس النهضة؛ فقام بزيادة ميزانية نظارة المعارف ووقف الأراضي الزراعية لدعم المدارس، ووكل إلى رائد التعليم علي مبارك مهمة وضع قانون أساسي للتعليم وضبط المنظومة التعليمية، وتكفلت الدولة بنفقات التلاميذ. وشهدت مصر في عهده خطوات تنويرية تاريخية أبرزها:

  • تعليم الفتيات: تأسيس مدرسة السنية عام 1873م، كأول مدرسة رسمية لتعليم البنات في مصر والشرق.
  • المؤسسات الفكرية: إنشاء دار العلوم لتخريج المعلمين، وتأسيس دار الكتب المصرية (الكتبخانة)، والجمعية الجغرافية، ودار الآثار.
  • الصحافة الوطنية: بزوغ فجر الصحافة الحديثة بظهور صحف كبرى لا تزال حية حتى اليوم مثل جريدة الأهرام والوطن ومجلة روضة المدارس.

رحم الله الخديوي إسماعيل، الحاكم الذي تطلع بنظره نحو المستقبل، فغرس في أرض مصر بذور العلم والمعرفة والعمران، ليترك خلفه دولة ذات سيادة وهوية حضارية لا يمحوها الزمن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى