
لم تعد المسألة في ليبيا هي السؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة حاضرة أم غائبة، بل في طبيعة هذا الحضور وحدوده. فواشنطن لا تنسحب من الملفات التي تمس مصالحها المباشرة، مثل الطاقة، ومكافحة الإرهاب، ومراقبة النفوذ الروسي والصيني، وضبط الممرات البحرية، لكنها لم تعد تبدو مستعدة لتقديم ضمان سياسي مفتوح لأزمة مزمنة لا يملك أطرافها المحليون تصوراً مشتركاً للحل.
من هنا اصبح مسعى مسعد بولس في ليبيا اختباراً مهماً لطبيعة الحضور الأمريكي الجديد. فقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في أبريل 2025 تعيين بولس مستشاراً أول لأفريقيا، قبل أن يبرز اسمه لاحقاً في تحركات مرتبطة بملفات أفريقية وعربية، بينها ليبيا، ضمن مقاربة أمريكية تمزج بين الوساطة السياسية، والمصالح الاقتصادية، والاعتبارات الأمنية.
مسعى بولس… قوة دفع لا ضمان كامل
في ليبيا، لا يمكن قراءة تحركات بولس بوصفها مبادرة أمريكية تقليدية ترعى حلاً سياسياً شاملاً من البداية إلى النهاية. الأقرب أنها محاولة لاستخدام النفوذ الأمريكي في ملفات محددة، خصوصاً الاقتصاد والأمن، لفتح ثغرة في جدار الانقسام. وهنا تكمن قوة المسعى وحدوده في الوقت نفسه. فهو قادر على جمع أطراف، وتسهيل اتفاقات، وإنتاج ضغط سياسي، لكنه لا يستطيع وحده صناعة شرعية داخلية، أو توحيد السلاح، أو فرض قبول دائم على قوى ليبية اعتادت الطعن في أي ترتيب لا تشارك في هندسته.
أبرز شاهد على ذلك هو اتفاق الموازنة الوطنية الموحدة لعام 2026. فقد ذكرت رويترز أن ليبيا أقرت أول موازنة موحدة منذ عام 2013، بقيمة 190 مليار دينار ليبي، بعد موافقة مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وأن بولس أشاد بالاتفاق بعد أشهر من التسهيل الأمريكي.
لكن هذا الاتفاق، رغم أهميته، لا يعني أن واشنطن أصبحت صاحبة الحل الليبي. فالبيان الدولي المرحب بالموازنة لم يصدر عن الولايات المتحدة وحدها، بل عن مجموعة واسعة ضمت الولايات المتحدة وإيطاليا ومصر وفرنسا وألمانيا وقطر والسعودية وتركيا والإمارات وبريطانيا. واعتبر البيان أن التنفيذ الكامل للموازنة يمكن أن يعزز الاستقرار المالي، ويحمي قيمة الدينار، ويقوي مؤسسات مثل المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة.
هذا يعني أن الدور الأمريكي يتحرك داخل شبكة دولية، لا فوقها. واشنطن تضغط وتسهّل، لكنها تحتاج إلى غطاء دولي، وإلى قبول محلي، وإلى إطار أممي يخفف كلفة الانخراط المباشر. وكلما بقي المسعى في مساحة الاقتصاد، بدا قابلاً للتسويق كمدخل للاستقرار. أما حين يقترب من إعادة ترتيب السلطة، فإنه يصطدم فوراً بسؤال الشرعية والتمثيل.
من الاقتصاد إلى السياسة… أين تبدأ الأزمة؟
اتفاق الموازنة يبدو، في ظاهره، مساراً مالياً. لكنه في ليبيا ليس ملفاً فنياً فقط. فمن يقرر أوجه الإنفاق؟ ومن يضمن توزيع الإيرادات؟ ومن يملك حق التوقيع باسم الشرق أو الغرب؟ هذه الأسئلة تجعل الاقتصاد باباً مباشراً إلى السياسة. ولهذا يمكن لاتفاق مالي أن يفتح مسار تهدئة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى نقطة خلاف إذا قرأته الأطراف بوصفه تمهيداً لإعادة توزيع السلطة.
رد فعل المجلس الأعلى للدولة يوضح هذا التعقيد. فقد قرر المجلس، رفض أي تسوية سياسية أو اقتصادية تتم خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي، مؤكداً أن أي تمثيل للمجلس في مثل هذه التسويات يُعد لاغياً ما لم يستند إلى تفويض رسمي صادر بقرار عنه. كما أشار المجلس إلى ما وصفه بـ”المسارات الموازية” التي تسعى إلى فرض تسويات خارج أطر التوافق الرسمي.
لكن قراءة مجلس النواب للمسارات الجارية تبدو مختلفة. ففي تصريح خاص لاخبار الغد، قال عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي إن مجلس النواب ينظر إلى مسار “4+4” باعتباره مكملاً للمسار المؤسسي، خاصة في ظل الانسداد المرتبط بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، واستمرار الخلافات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول القوانين الانتخابية والنقاط التي لم تُحسم بعد.
وأوضح العرفي أن مجلس النواب لم يصدر موقفاً رافضاً من مسار “4+4”، بل لا يزال منخرطاً فيه ومنفتحاً على أي رؤية يمكن أن تفضي إلى الانتخابات وتفكك الانسداد القائم. واعتبر أن موقف مجلس النواب يختلف عن موقف المجلس الأعلى للدولة، الذي اعترض على الأشخاص الذين يمثلونه في هذا المسار، وتبرأ منهم، وذهب إلى حد اتخاذ إجراءات ضد عضويتهم.
وأشار العرفي إلى أن البناء على مخرجات لجنة “6+6” لا يزال يمثل أساساً مهماً لأي مسار انتخابي، باعتبارها مرتبطة بالتعديل الدستوري الثالث عشر، لكنه رأى أن التطورات الأخيرة تفرض مراجعة بعض النقاط الخلافية والبحث عن تفاهمات جديدة حول القضايا الجوهرية، سواء ما يتعلق بالمفوضية أو القوانين الانتخابية.
وشدد عضو مجلس النواب على أن أي تفاهم بشأن المفوضية أو القوانين الانتخابية لا يمكن اعتماده من دون المرور عبر مجلس النواب، معتبراً أن المجلس منفتح على أي مقترح يقود إلى الانتخابات، شرط أن يمر عبر المسار المؤسسي الواضح.
هذا التباين بين المجلسين يكشف أن الأزمة لا تتعلق فقط بوجود وساطة أمريكية أو أممية، بل بسؤال أعمق: من يملك حق التمثيل والتفاوض واعتماد التفاهمات؟ فبينما يتعامل المجلس الأعلى للدولة بحساسية شديدة مع أي مسار لا يصدر عنه بتفويض رسمي، يرى بعض أعضاء مجلس النواب أن مسار “4+4” يمكن أن يكون مكملاً للمسار المؤسسي لا بديلاً عنه. وبهذا المعنى، تصبح أي مبادرة خارجية، مهما كان وزنها، محكومة في النهاية بقدرتها على المرور عبر المؤسسات الليبية لا تجاوزها.
مسار بولس بين الرفض ورفع السقف التفاوضي
في قراءة موازية، قال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الليبية سابقاً محمد القبلاوي إن المسار الأمريكي في ليبيا، شأنه شأن أي مسار تقوده دولة أخرى أو ترعاه البعثة الأممية، يظل مرتبطاً بمعطيات القوة على الأرض، وبمواقف الدول الفاعلة ومصالحها. واعتبر أن رفض تيارات ليبية عدة لما عُرف بمسار بولس، وغياب تأييد دولي واضح له حتى الآن، يعكسان وجود خلافات حقيقية في جوهر المقاربة المطروحة، لا مجرد اعتراضات شكلية.
ويرى القبلاوي أن موقف المجلس الأعلى للدولة من المسارات الموازية يمكن قراءته أيضاً في إطار رفع السقف لتحسين الموقع التفاوضي، على غرار مواقف أطراف أخرى مثل المجلس الرئاسي. وبحسب تقديره، فإن هذا التصعيد يهدف إلى خلق نوع من التوازن، لأن اختزال الحوار في طرفين فقط، من دون توسيع دائرة المشاركة، لا يمكن أن ينتج تسوية قابلة للاستمرار.
وأضاف القبلاوي أن الاتفاق على الإنفاق التنموي الموحد قد يخلق أرضية للتوافق في المسار السياسي، لكنه ربط ذلك بتحقق شروط أساسية، في مقدمتها توسيع دائرة المشاركة. واعتبر أن المشاركة الأوسع هي الضامن الوحيد لقبول نتائج أي تسوية، مشيراً إلى أن تجاهل المكونات الليبية، على سبيل المثال، لا يمكن أن ينتج توازناً سياسياً حقيقياً.
تضع هذه القراءة مداخلة القبلاوي في قلب سؤال التقرير: فالمشكلة لا تتعلق فقط بقدرة واشنطن على جمع الأطراف أو تسهيل تفاهمات مالية، بل بمدى اتساع قاعدة القبول الداخلي والدولي لأي مسار. فإذا بدا مسار بولس محصوراً بين أطراف محددة، أو غير مدعوم بغطاء دولي واضح، أو غير قادر على إشراك قوى ومكونات ليبية أوسع، فإن قدرته على التحول من تفاهم مرحلي إلى تسوية سياسية ستبقى محدودة.
المائدة المصغرة… هل تفتح الطريق أم تعيد إنتاج الانسداد؟
في التداول السياسي والإعلامي، يُشار إلى صيغة “4+4” أحياناً بوصفها “المائدة المصغرة”، أي آلية محدودة تسعى إلى معالجة عقد انتخابية محددة، خصوصاً ما يتعلق بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات والقوانين الانتخابية. غير أن هذا الشكل المحدود، حتى إذا نجح في فتح بعض العقد الإجرائية، لا يعني بالضرورة أنه قادر على معالجة جذور الانسداد السياسي.
بحسب الباحثة المتخصصة في الشأن الليبي كلوديا غازيني، يمكن للمائدة المصغرة التي دعت إليها الأمم المتحدة أن تساعد، من حيث المبدأ، في تحريك المسار الانتخابي إذا تمكن ممثلوها من التفاهم بشأن المفوضية والخطوط العامة للقانون الانتخابي، لكنها لا تكفي وحدها لحل الانسداد. فالمشاركون فيها لا يملكون صلاحية إقرار القوانين الانتخابية بصورة نهائية، كما أن هناك أزمات قانونية وقضائية لا تعالجها هذه المائدة، وفي مقدمتها مسألة الجهة القضائية التي ستنظر في الطعون الانتخابية، في ظل الانقسام داخل السلطة القضائية بعد الأزمة الأخيرة المرتبطة بالمحكمة العليا.
وترى غازيني، في تصريح خاص، أن المشكلة الأعمق تكمن في أن هذا الشكل التفاوضي لا يعالج العقبات السياسية الأساسية التي تمنع الوصول إلى انتخابات، بل يثير، في نظر كثيرين، انطباعاً بأنه يخدم مصالح معسكري خليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة أكثر مما يخدم مساراً انتخابياً مفتوحاً. ووفق هذه القراءة، قد تنتهي المائدة إلى اتفاق حول إعادة تشكيل المفوضية، وربما لاحقاً إلى تفاهمات بشأن تعديل الحكومة بما يمنح نفوذاً أوسع لمعسكري حفتر والدبيبة، من دون أن يقود ذلك بالضرورة إلى انتخابات قريبة.
بهذا المعنى، يصبح الخلاف حول “المائدة المصغرة” جزءاً من سؤال أوسع في الأزمة الليبية: هل تتحول المسارات المحدودة إلى أدوات لفك الانسداد، أم إلى ترتيبات جديدة لإعادة تدوير موازين القوة القائمة؟ وهذا بالضبط ما يضع حدوداً أمام أي دور أمريكي أو أممي؛ فالتفاهم حول المفوضية أو القوانين قد يفتح باباً إجرائياً، لكنه لا يعالج وحده أزمة الشرعية، ولا الانقسام القضائي، ولا مصالح القوى التي قد تفضّل تأجيل الانتخابات على خوضها.
خارطة الطريق الأممية وسقف الحركة الأمريكية
لهذا السبب لا يمكن فصل مسعى بولس عن خارطة الطريق الأممية. فبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تقدم هذه الخارطة باعتبارها الإطار السياسي الرئيسي للحل، لا مجرد غطاء شكلي لتحركات العواصم. وتقوم الخارطة على مسار انتخابي قابل للتنفيذ، وتوحيد المؤسسات عبر حكومة موحدة، وحوار مهيكل يفتح المجال أمام مشاركة أوسع لليبيين في قضايا الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة.
وتؤكد البعثة أن الحوار المهيكل يوفر منصة لأصوات ليبية متنوعة لمعالجة قضايا الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة، وهو ما يجعل أي مسار محدود، سواء كان أمريكياً أو أممياً مصغراً، محتاجاً إلى توسيع قاعدة المشاركة حتى لا يتحول إلى تفاهم نخبوي ضيق.
هذا الإطار يضع حدوداً لأي مسار أمريكي منفرد. فواشنطن قد تدفع الأطراف إلى تفاهمات، لكنها لا تستطيع منح شرعية نهائية لتسوية لا تجد لها مكاناً داخل المسار الأممي أو قبولاً كافياً داخل المؤسسات الليبية. ومن هنا، تصبح تحركات بولس مفيدة إذا جاءت كرافعة مساعدة للمسار الأممي، لكنها تصبح أكثر هشاشة إذا بدت بديلاً عنه.
ماذا يريد الليبيون من واشنطن؟
بالنسبة إلى بعض الأطراف الليبية، تبدو واشنطن ضمانة ضد هيمنة الخصم. وبالنسبة إلى أطراف أخرى، تبدو أداة ضغط يمكن استخدامها لانتزاع اعتراف سياسي أو تمويل أو موقع داخل الترتيبات المقبلة. وفي الحالتين، يتحول الحضور الأمريكي إلى ورقة داخل الصراع المحلي، لا إلى مظلة محايدة بالضرورة.
الخطر هنا أن يصبح التعويل على واشنطن بديلاً عن بناء تفاهم داخلي. فكل طرف قد يبحث عن توقيع أمريكي يرفع كلفته السياسية أمام الخصوم، بدل البحث عن قبول ليبي يضمن بقاء أي اتفاق بعد مغادرة الوسطاء قاعة الاجتماع. هذه هي نقطة الضعف الأعمق في الرهان على مسعى بولس أو غيره. الخارج يستطيع أن يفتح الباب، لكنه لا يستطيع أن يجبر الداخل على العبور منه.
الحضور العسكري لا يكفي لصناعة حل سياسي
الحضور الأمريكي في ليبيا لا يقتصر على السياسة والاقتصاد. فقد أعلنت القيادة الأمريكية في أفريقيا، أفريكوم، أن ليبيا استضافت جزءاً من تمرين “فلينتلوك 2026”، وهو أحد أبرز تدريبات العمليات الخاصة التي تقودها القيادة الأمريكية في أفريقيا، بمشاركة أكثر من 30 دولة بين ليبيا وكوت ديفوار.
وفي السياق نفسه، ذكرت رويترز أن تدريبات فلينتلوك افتتحت في سرت، وشملت قوات من الجيش الوطني الليبي وقوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً، في أول حدث عسكري مشترك من نوعه بين خصوم الحرب السابقين.
لكن التدريب المشترك لا يعني توحيد المؤسسة العسكرية. هو إشارة سياسية وأمنية مهمة، وقد يخلق مساحة ثقة محدودة، لكنه لا يحل معضلات القيادة، والولاء، والسيطرة على السلاح، ومصير التشكيلات المسلحة، ولا ينهي التنافس الإقليمي والدولي على الأرض الليبية.
بل إن تقريراً آخر لرويترز يوضح الوجه المقابل لهذا المشهد. ففي أبريل/نيسان 2026، كشفت الوكالة أن قوات خليفة حفتر حصلت، على ما يبدو، على طائرات مسيرة قتالية صينية وتركية رغم حظر السلاح الأممي المفروض على ليبيا منذ عام 2011، استناداً إلى صور أقمار صناعية وتحليل خبراء. وأشارت إلى ظهور ثلاث طائرات مسيرة على الأقل في قاعدة الخادم، بينها ما يرجح أنه طراز صيني “فيلونغ 1” وطائرتان تركيتان من طراز “بيرقدار تي بي 2”.
هذا التناقض يلخص حدود الضمان الخارجي. فمن جهة، تستطيع واشنطن رعاية تدريبات مشتركة ودفع صورة توحيد تدريجي. ومن جهة أخرى، يستمر تدفق السلاح، وتستمر ترتيبات القوة على الأرض، ويظل الحظر الأممي عرضة للانتهاك. أي أن الحضور الأمريكي موجود، لكنه لا يملك وحده القدرة على ضبط كل مسارات الأزمة.
شواهد من العراق وسوريا وأفغانستان
تجارب العراق وسوريا وأفغانستان لا تشبه ليبيا بالكامل، لكنها تكشف نمطاً أمريكياً أوسع. واشنطن تبقى حيث توجد مصلحة أمنية أو استراتيجية واضحة، لكنها تتراجع عندما يتحول الانخراط إلى كلفة مفتوحة لبناء دولة أو ضمان نظام سياسي هش.
في العراق، اتفقت واشنطن وبغداد عام 2021 على أن العلاقة الأمنية ستنتقل إلى التدريب والمشورة والمساعدة وتبادل المعلومات، مع إنهاء الدور القتالي الأمريكي بحلول نهاية ذلك العام. لم يكن ذلك خروجاً كاملاً من الملف العراقي، بل إعادة تعريف للدور من إدارة مباشرة للحرب إلى دعم أمني محدود.
وفي سوريا، بقي الحضور الأمريكي مرتبطاً أساساً بمهمة هزيمة تنظيم الدولة ومنع عودته، لا بإدارة تسوية سياسية شاملة للحرب السورية. أما في أفغانستان، فقد أعلن الرئيس جو بايدن في أغسطس/آب 2021 انتهاء الحرب الأمريكية بعد عشرين عاماً، في أوضح إشارة إلى رفض الاستمرار في كلفة مفتوحة لمشروع بناء دولة لا يصمد دون وجود عسكري أمريكي دائم.
هذه الشواهد لا تستخدم لإسقاط الحالة الليبية على حالات مختلفة، بل لتفسير منطق أمريكي أوسع. الحضور لا يعني الضمان، والتدخل لا يعني الالتزام المفتوح، والدعم لا يعني أن واشنطن ستبني الدولة بدلاً من قواها المحلية.
من التسهيل إلى الضمان… أين يتوقف الدور الأمريكي؟
تستطيع الولايات المتحدة في ليبيا أن تفعل الكثير. تستطيع الضغط على الأطراف، وتسهيل اتفاقات مالية، وفتح قنوات بين خصوم، ودعم المسار الأممي، وتقديم إشارات أمنية عبر أفريكوم، واستخدام العقوبات أو التلويح بها عند الحاجة. لكنها لا تستطيع وحدها أن تفعل أربعة أشياء مركزية: خلق شرعية داخلية، وتوحيد السلاح، وضمان التزام الأطراف بعد الاتفاق، وتحويل التسوية إلى عقد سياسي قابل للحياة.
وهنا تكمن حدود مسعى بولس. فإذا بقي المسعى في نطاق دفع التفاهمات الاقتصادية والأمنية، فقد يحقق اختراقات مفيدة. أما إذا تحول إلى محاولة لإعادة تركيب السلطة الليبية من خارج التوافق المؤسسي والقبول الداخلي، فسيصطدم سريعاً بجدار الاعتراضات، وبسؤال التفويض، وبخوف الأطراف من أن تكون التسوية مجرد صفقة فوقية لا تملك ضمانات البقاء.
ليبيا لا تحتاج إلى وسيط قوي فقط، بل إلى قواعد واضحة. تحتاج إلى ضغط خارجي، نعم، لكنها تحتاج أكثر إلى اتفاق داخلي على من يملك حق التفاوض، وكيف توزع الموارد، وكيف تدار المؤسسة العسكرية، وكيف تذهب البلاد إلى انتخابات لا تعيد إنتاج الانقسام. من دون ذلك، سيظل أي اتفاق قابلاً للاهتزاز بمجرد تغير موازين القوة أو خروج الوسطاء من الغرفة.
الحضور وحدود الضمان
بهذا المعنى، لا تبدو مبادرة بولس ضمانة نهائية، بل اختباراً لطبيعة الحضور الأمريكي الجديد في ليبيا. واشنطن قادرة على الضغط والتسهيل وفتح القنوات، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية داخلية، أو توحيد السلاح، أو ضمان بقاء أي تسوية بعد مغادرة الوسطاء.
لذلك، فإن الرهان على الحل الأمريكي الكامل يختزل الأزمة الليبية أكثر مما يفسرها. فالحضور الخارجي قد يفتح الباب، لكنه لا يستطيع أن يعبر نيابة عن الليبيين. تستطيع واشنطن تحريك المياه الراكدة، لكنها لا تستطيع وحدها تحويل الاتفاقات إلى عقد سياسي قابل للحياة. وتستطيع دعم المسار الأممي، لكنها لا تستطيع منحه شرعية داخلية إذا لم يجد قبولاً ليبياً واسعاً.
ليبيا تحتاج إلى ضغط خارجي، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى توافق داخلي لا يمكن استيراده من أي عاصمة. وهذه هي حدود الضمان الأمريكي: حضور مؤثر، انتقائي، ومشروط بالمصلحة، لكنه لا يعفي الليبيين من مسؤولية إنتاج تسوية قادرة على البقاء بعد انتهاء الوساطة.





