الدكتور أيمن نور يكتب: منتدى الكفاءات المصرية وقانون الأسرة… قراءة في أوراق التشريع ومسارات التوازن

وسط الجدل الواسع الذي يحيط بمشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، جاءت الأوراق البحثية التي قدمها «منتدى الكفاءات المصرية» لتطرح مقاربة مختلفة، أكثر هدوءًا وعمقًا واتزانًا، بعيدًا عن الاستقطاب الحاد الذي حاصر هذا الملف خلال الفترة الأخيرة. لم تنطلق تلك الأوراق من رغبة في الانتصار للرجل أو للمرأة، بل من محاولة جادة لفهم ما يمكن أن يتركه هذا القانون من آثار قانونية واجتماعية ونفسية داخل الأسرة المصرية، التي لم تعد تحتمل مزيدًا من التوتر والإنهاك.
استحق المنتدى والقائمون عليه التقدير لما بذلوه من جهد واضح في إعداد هذا اللقاء البحثي المهم، سواء في اختيار المحاور أو المتحدثين أو إدارة النقاش بصورة اتسمت بالاحترام والجدية والموضوعية. كما يظل للدكتور ناجي عبد الرحيم فضل خاص في توجيه الدعوة الكريمة وإتاحة أوراق المنتدى كاملة للاطلاع والدراسة، وهي أوراق عدت إليها أكثر من مرة لما تضمنته من معلومات ورؤى تستحق التأمل والتفكير.
المحور الأول الذي قدمه المستشار القانوني حامد شاكر، المتخصص في قضايا وتشريعات الأسرة، جاء بمثابة قراءة تفصيلية للبنية التشريعية للمشروع. توقف العرض أمام فلسفة القانون الجديدة، ومحاولاته إعادة تنظيم ملفات النفقة والحضانة والرؤية والولاية التعليمية والتنفيذ القضائي، مع التوسع في الوسائل الرقمية وربط بعض الإجراءات بآليات إلكترونية حديثة.
أوضحت الورقة أن المشروع يحاول معالجة أزمة بطء تنفيذ الأحكام وتكدس المنازعات داخل محاكم الأسرة، وهي أزمة حقيقية عاشتها آلاف الأسر المصرية لسنوات طويلة. غير أن الورقة نفسها لم تتجاهل الملاحظات المثارة حول بعض النصوص، خاصة ما يتعلق بتوسيع الأعباء المالية الواقعة على الزوج، والسماح بإجراءات تنفيذية قد تصل إلى الحجز على نسب معتبرة من الدخل، أو فتح المجال أمام الاقتراض بضمان الذمة المالية، وهي نقاط أثارت نقاشًا واسعًا داخل المنتدى حول ضرورة وجود ضوابط أكثر دقة تمنع التعسف أو إساءة الاستخدام.
توقفت المناقشات أيضًا أمام بعض الصياغات القانونية التي وُصفت بأنها فضفاضة أو تحتمل أكثر من تفسير، خاصة في مسائل مثل «الضرر» أو «التدليس» أو تقدير بعض صور الامتناع والإساءة، حيث حذرت الأوراق من أن غياب المعايير الدقيقة قد يفتح أبوابًا جديدة للنزاعات القضائية بدل الحد منها، ويمنح مساحة واسعة للاجتهاد المتضارب في التطبيق.
ورقة الدكتور خالد حمدي، الاستشاري الأسري والمتخصص في العلاقات الأسرية والإرشاد النفسي، نقلت النقاش من النصوص الجامدة إلى الإنسان نفسه. لم تتعامل الورقة مع الأسرة بوصفها ملفًا قانونيًا فقط، بل باعتبارها كيانًا نفسيًا واجتماعيًا هشًا، يمكن لأي خلل تشريعي غير محسوب أن يدفعه إلى مزيد من التفكك.
ركزت الورقة على التداعيات النفسية والاجتماعية لبعض المواد المقترحة، محذرة من أن القانون إذا فقد توازنه قد يتحول، من حيث لا يقصد، إلى وقود إضافي للصراع داخل الأسرة، بدل أن يكون أداة للتهدئة والاستقرار. كما تناولت الورقة قضية الأطفال باعتبارهم الطرف الأكثر هشاشة في أي نزاع أسري، مشيرة إلى أن كثيرًا من التشريعات تنشغل بحقوق الأطراف المتنازعة بينما يغيب السؤال الأهم: ماذا يبقى داخل الطفل بعد انتهاء الخصومة؟
ناقشت الورقة بإسهاب قضايا الرؤية والاستضافة والحضانة، وأشارت إلى أن بعض النصوص المقترحة قد تؤدي عمليًا إلى توسيع دائرة النزاع بدل تقليصها، خاصة إذا غابت آليات واضحة للتنفيذ وضمانات تمنع استخدام الطفل كورقة ضغط متبادلة بين الأبوين. كما حذرت من أن إغفال البعد النفسي والاجتماعي في صياغة القوانين الأسرية يجعل النصوص عاجزة عن تحقيق أهدافها مهما بدت منضبطة من الناحية الشكلية.
أما المحور الثالث، الذي قدمه الأستاذ الدكتور رجب أبو مليح، أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة السلطان عبد الحليم معظم شاه العالمية الإسلامية بماليزيا، فقد حمل قراءة فقهية مقارنة اتسمت بالعمق والهدوء والانفتاح العلمي.
ناقشت الورقة عددًا من المواد المثيرة للجدل من زاوية شرعية وفقهية، متوقفة أمام بعض القضايا المرتبطة بالتفريق القضائي، والولاية، والنسب، وبعض صور تنظيم العلاقة الزوجية. كما أشارت إلى أن الفقه الإسلامي عرف عبر تاريخه تنوعًا واسعًا في الاجتهادات، لكن هذا التنوع كان دائمًا محكومًا بمقاصد العدل والاستقرار وصيانة الأسرة.
أبدت الورقة ملاحظات على غياب نصوص واضحة في بعض القضايا التي تمثل حساسية فقهية واجتماعية، كما حذرت من أن بعض الصياغات قد تؤدي إلى تضارب في الفهم أو التطبيق إذا لم تُضبط بصورة أكثر دقة ووضوحًا. وأكدت في الوقت نفسه أن تطوير التشريعات الأسرية ضرورة مجتمعية، لكن التطوير لا ينبغي أن يتم بمعزل عن الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع المصري.
اللافت في أوراق المنتدى أنها لم تقع في فخ المزايدات المعتادة، ولم تتعامل مع القانون باعتباره معركة صفرية. لم يكن الهدف تقديم «قانون للمرأة» ضد الرجل، أو «قانون للرجل» ضد المرأة، بل البحث عن صيغة أكثر عدلًا واتزانًا للأسرة نفسها، باعتبارها الخلية الأساسية التي يتماسك بها المجتمع أو يتفكك.
كشفت المناقشات كذلك عن تخوفات حقيقية من أن يؤدي التوسع في بعض أسباب الطلاق أو التفريق القضائي، بصيغ غير منضبطة، إلى زيادة معدلات التفكك الأسري، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الحالية. كما طُرحت تساؤلات حول قدرة المجتمع فعليًا على تحمل المزيد من النزاعات الممتدة داخل محاكم الأسرة، وما يترتب عليها من آثار نفسية واقتصادية قاسية.
توقفت بعض المداخلات عند التناقضات المحتملة في ملفات الحضانة والرؤية والاستضافة، والتحذير من أن غياب التوازن في هذه الملفات قد يدفع أحد الأطراف إلى الشعور بالإقصاء أو الظلم، بما ينعكس في النهاية على الطفل نفسه وعلى استقرار الأسرة الممتدة بأكملها.
في المقابل، لم تتجاهل أوراق المنتدى الجوانب الإيجابية في المشروع، خاصة ما يتعلق بفكرة إنشاء نيابات متخصصة للأسرة، والتوسع في التحول الرقمي، ومحاولة توحيد الإجراءات، وهي خطوات يمكن أن تمثل تطورًا مهمًا إذا ارتبطت بضمانات حقيقية للعدالة والشفافية وسرعة الفصل في المنازعات.
خرجت تلك الأوراق بخلاصة مهمة مؤداها أن الأسرة المصرية لا تحتاج تشريعًا يصنع غالبًا ومغلوبًا، بل قانونًا يحقق قدرًا معقولًا من التوازن والطمأنينة والعدل. كما أكدت أن أي قانون للأحوال الشخصية لا بد أن يُبنى على حوار مجتمعي واسع، يشارك فيه القانونيون والمتخصصون في علم النفس والاجتماع والفقه، لأن النصوص التي تُكتب بعيدًا عن الناس غالبًا ما تعود إليهم بأزمات جديدة.
يبقى ما قدمه «منتدى الكفاءات المصرية» نموذجًا محترمًا لحوار جاد ومسؤول حول واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في المجتمع المصري. حوارٌ لم يبحث عن التصفيق، بل عن الفهم، ولم ينشغل بالشعارات، بل حاول الاقتراب من جوهر الأزمة الحقيقية: كيف نحمي الأسرة المصرية من أن تتحول إلى ساحة خصومة دائمة، وكيف نجعل القانون وسيلة للعدل والاستقرار لا بابًا جديدًا للصراع؟





