حدث في مثل هذا اليومملفات وتقارير

حدث في مثل هذا اليوم: ميلاد “أمير القصة العربية” الطبيب الأديب يوسف إدريس

يوافق اليوم، التاسع عشر من مايو، ذكرى ميلاد أحد أعظم أفذاذ الأدب العربي في القرن العشرين، “تشيخوف العرب” وصاحب المشرحة الأدبية الفذة، الدكتور يوسف إدريس، الذي وُلد في مثل هذا اليوم من عام 1927 ميلادية. ويمثل يوسف إدريس طفرة حقيقية في عالم الإبداع؛ إذ نجح بمشرط الطبيب ووعي المفكر في الغوص داخل أعماق النفس البشرية وتشريح تفاصيل القرية والمدينة المصرية، ليعيد صياغة مفهوم “القصة القصيرة” ويمنحها أبعاداً عالمية غير مسبوقة، جعلت من اسمه علامة مسجلة في تاريخ الفكر الإنساني.

من عيادة القصر العيني إلى بلاط صاحبة الجلالة

وُلد يوسف إدريس في قرية “البيروم” التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، ونشأ في ريف مصر الذي استمد منه لاحقاً مخزونه الحكائي الثري. شق طريقه العلمي بالالتحاق بكلية الطب جامعة القاهرة (القصر العيني)، وتخرج فيها ليعمل طبيباً بين عامي 1951 و1960. لكن نداء الكتابة وشغف الحرف كانا أقوى من تذاكر العلاج؛ فهجر الطب ليتفرغ للصحافة والأدب، متنقلاً بين صحيفتي “الجمهورية” و”الأهرام”، ومحولاً قلمه إلى أداة لتشخيص أمراض المجتمع وتشريح تناقضاته النفسية والاجتماعية.

“أرخص ليالي”.. الانفجار الأدبي الذي أبهر عميد الأدب العربي

شهد عام 1954 ميلادية بزوغ فجر إدريس الأدبي بإصدار مجموعته القصصية الأولى “أرخص ليالي”، والتي أحدثت زلزالاً في الوسط الثقافي لجرأة أسلوبها الواقعي وعمق رصدها للمهمشين. هذا التميز دفع عميد الأدب العربي د. ططه حسين للإشادة بعبقريته قائلاً: «أجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء ما يجعله فقيهاً بدقائق الحياة». بينما ذهب النقاد إلى تشبيه لغته وسخريته المرة بمزيج عبقري يجمع بين عوالم “ديستوفسكي” السوداوية وعبثية “كافكا”، لكن بنكهة مصرية خالصة.

سينمائي الرواية ومبدع “النداهة” و”الحرام”

عايش يوسف إدريس أدق التحولات السياسية والاجتماعية في مصر؛ من الملكية إلى الجمهورية، مروراً بمرارة النكسة وصولاً إلى نشوة نصر أكتوبر والانفتاح الاقتصادي، فجاءت أعماله مرآة صادقة لهذه المراحل. وترك للمكتبة العربية روائع خلدتها السينما والمسرح، مثل “الحرام” التي رصدت معاناة عمال التراحيل، و”النداهة” التي ناقشت صدمة المدينة، بالإضافة إلى روائعه المسرحية مثل “الفرافير” و”جمهورية فرحات”، حيث تميز بابتكار شخصيات حية تعيش بين الناس وتتحدث بلغتهم وهواجسهم.

التكريم والرحيل: إرثٌ محفور في وجدان الأمة

تقديراً لعطائه الأدبي المتميز واستخدامه الفن كسلاح تنويري، حصل يوسف إدريس على أرفع الأوسمة، منها وسام الجمهورية (عامي 1963 و1967)، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1980، فضلاً عن الأوسمة العربية كـ وسام الجزائر. رحل “أمير القصة” عن عالمنا في 1 أغسطس 1991 عن عمر ناهز 64 عاماً، لكنه في ذكرى ميلاده اليوم يظل حياً بكتاباته؛ فكلما فتح قارئ قصة “نظرة” أو تأمل فلسفة “الفرافير”، أدرك أن يوسف إدريس لم يكن مجرد كاتب، بل كان ظاهرة إبداعية عصية على التكرار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى