العالم العربي

ميدل إيست آي: روسيا تستقطب مقاتلين يمنيين إلى أوكرانيا بإغراءات المال والجنسية

كشفت مصادر مطلعة أن روسيا تستقطب مقاتلين يمنيين للانخراط في حربها ضد أوكرانيا، عبر إغرائهم بمبالغ مالية كبيرة ورواتب شهرية مرتفعة، إلى جانب وعود بالحصول على الجنسية الروسية. وتقول شهادات يمنية إن هذه العروض تحولت، بالنسبة لبعض المقاتلين، إلى طريق شديد الخطورة للهروب من الفقر وتدهور الأوضاع الاقتصادية في اليمن.
ووفقًا لتقرير نشره موقع “ميدل إيست آي”، فإن شبانًا يمنيين قاتلوا سابقًا على جبهات تعز ومأرب أو على الحدود السعودية، سواء ضمن صفوف الحوثيين أو القوات الحكومية اليمنية أو التشكيلات المدعومة من الإمارات، تلقوا عروضًا تفوق بكثير ما يحصلون عليه داخل اليمن. وأشارت المصادر إلى أن الحرب الروسية بدت لبعضهم مخرجًا ماليًا مغريًا، رغم أن نهايتها قد تكون قاتلة.

عروض مالية ضخمة بمقاييس اليمن

كان أحمد نبيل، وهو شاب يمني قاتل حتى العام الماضي في صفوف قوات “الحرس الجمهوري” على الساحل الغربي لليمن، من بين عشرات المجندين الذين انتقلوا إلى القتال في روسيا خلال العام الماضي. وبحسب أفراد من عائلته وأصدقائه، فإن نبيل غادر مع مجموعة من المقاتلين بعد تلقي عروض مالية كبيرة.
وقال فوزي، وهو جندي قاتل إلى جانب نبيل في الحرس الجمهوري، إن الأخير كان يتقاضى راتبًا شهريًا يقارب 260 دولارًا، وهو مبلغ يعادل تقريبًا ما يحصل عليه محاسب متمرس في اليمن. لكنه أضاف أن نبيل وجد صعوبة في تجاهل فرصة الحصول على أجر أعلى في روسيا.
وأوضح فوزي أنه في منتصف عام 2025 قرر نحو 10 جنود، بينهم نبيل، السفر إلى روسيا، مرجحًا أنهم كانوا على تواصل مع شخص موجود هناك بالفعل. وأضاف: “حاولنا نصحهم، وقلنا لهم إن القتال هناك خطير، لكنهم أكدوا أنهم يملكون خبرة كافية للانضمام إلى أي جبهة قتال في العالم”.
وتحدث فوزي عن حوافز مالية ضخمة عُرضت على المقاتلين اليمنيين، شملت دفعة أولى تبلغ 15 ألف دولار، وراتبًا شهريًا قدره 5 آلاف دولار، مع احتمال الحصول على الجنسية الروسية. وقال: “عندما سمعت بهذه العروض، حتى أنا فكرت بالانضمام إلى القتال في أوكرانيا”.
واستدرك فوزي قائلًا إن اختفاء كثير من زملائه دفعه إلى التراجع عن الفكرة. وأضاف: “عندما رأيت أن معظم زملائي لم يعودوا، أدركت أن تلك المكافآت المالية ستُدفع من دمي”.

من وعود العمل إلى خطوط القتال

منذ عام 2022، حين غزت روسيا أوكرانيا وسيطرت على نحو 20% من أراضيها، ظهرت تقارير عن يمنيين خُدعوا وأُرسلوا للقتال لصالح روسيا بعد وعود بوظائف مدنية مغرية. غير أن شهادات حديثة تشير إلى أن بعض المقاتلين الذين يسافرون حاليًا باتوا يدركون أنهم متوجهون إلى خطوط القتال الأمامية.
وخلال العام الماضي، بدأ عدد من المقاتلين اليمنيين بنشر تحديثات على وسائل التواصل الاجتماعي يصفون فيها “الواقع” على الأرض. وقالت بعض المنشورات إن اليمنيين الذين يصلون إلى خطوط القتال يُمنعون عادة من المغادرة قبل إكمال عقد عسكري مدته عام واحد مع الجيش الروسي.
ووصف عدد من هؤلاء المقاتلين ظروفًا أقسى بكثير مما واجهوه في حرب اليمن، فيما وجّه بعضهم تحذيرات صريحة لآخرين بعدم القدوم. وفي المقابل، توقفت بعض الحسابات عن نشر أي تحديثات منذ أشهر، ما أثار تكهنات باحتمال مقتل أصحابها في المعارك.

مناشدات للعودة وصمت حكومي

ظهر عدد محدود من المقاتلين اليمنيين في مقاطع مصورة ناشدوا فيها الحكومة اليمنية التدخل لإعادتهم إلى بلادهم. لكن الحكومة اليمنية لم تتخذ أي إجراء علني حتى الآن، كما لا توجد أرقام رسمية لعدد اليمنيين الذين يقاتلون في أوكرانيا، بسبب سفر معظمهم عبر وسطاء غير رسميين لا من خلال قنوات قانونية معلنة.
وقالت أم توحيد، التي تؤكد أن ابنها قُتل في أوكرانيا بعدما سافر إلى روسيا دون علمها، إنها لم تتمكن حتى من دفن جثمانه. وأضافت: “كان ابني يقاتل على الحدود مع السعودية، لكنني صُدمت قبل خمسة أشهر عندما عرفت أنه سافر للقتال في أوكرانيا”.
وأوضحت أنها طلبت من زوجته أن تطالبه بالعودة، لكنها أُبلغت بأن ذلك مستحيل. وبعد محاولات لمساعدة الأسرة على إعادته، تلقت العائلة خبر مقتله، لتقول والدته إن أمنيتها الأخيرة كانت رؤية جثمانه مرة واحدة.
وحذرت أم توحيد عائلات يمنية أخرى من السماح لأبنائها أو أزواجها بالانخراط في المعارك. وقالت: “لا تسمحوا لأزواجكم وأبنائكم بالانضمام إلى المعارك، سواء في اليمن أو في أوكرانيا، لأن ألم هذا الفقد لا يُنسى”.

“هذه ليست حربنا”

تعارض عائلات يمنية كثيرة فكرة ذهاب أبنائها للقتال في أوكرانيا، لكن الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية يدفعان بعض المقاتلين إلى اتخاذ هذه الخطوة. وكان محمود الصبري، البالغ من العمر 37 عامًا، قد قاتل على جبهات عدة في اليمن، قبل أن يخبر عائلته في أواخر عام 2025 بأنه مسافر للعمل في مطعم في جيبوتي.
لكن أقارب محمود اكتشفوا لاحقًا أنه واصل طريقه إلى روسيا. وقال والده مصطفى: “لا أحد يسعد برؤية ابنه يقاتل في أوكرانيا.. هذه ليست حربنا، ولا أعرف ما الذي دفع ابني إلى الانضمام إليها”.
وأكد مصطفى أن ابنه لم يكن مدفوعًا بالمال وحده، ملمحًا إلى احتمال تعرضه للتلاعب. وأضاف: “أخبرني أنه مسافر للعمل في جيبوتي، ثم صُدمنا عندما اكتشفنا أنه في روسيا، لا أستطيع التحدث إليه الآن، لكنني آمل أن يعود قريبًا لنعرف الحقيقة”.
وكان آخر اتصال تلقته العائلة من محمود في أوائل أبريل/نيسان، حين أخبرهم بأنه موجود في غابة مع مقاتلين آخرين. وقال والده: “لا نعرف إن كان حيًا أو ميتًا أو معتقلًا، لكنني آمل أن نسمع صوته قريبًا”.

الفقر وغياب الرواتب يدفعان المقاتلين

يرى الصحفي اليمني محمد علي، المتابع للشأن اليمني، أن معظم اليمنيين الذين يسافرون إلى روسيا اليوم يدركون أنهم ذاهبون للقتال، رغم أن بعض الدفعات الأولى تعرضت للخداع من قبل وسطاء. وأوضح أن الوسطاء كانوا يخبرون الضحايا بأنهم سيعملون في وظائف مدنية، مثل المطاعم أو المزارع، قبل أن يجدوا أنفسهم في معسكرات عسكرية داخل روسيا.
وأضاف علي أن هذا الخداع كان أكثر شيوعًا بين المجموعات التي أُرسلت إلى روسيا في عام 2023 ومطلع عام 2024. أما في الآونة الأخيرة، فيبدو أن كثيرًا من المجندين باتوا يدركون أنهم متجهون إلى خطوط القتال.
وأشار إلى أن الوضع الاقتصادي السيئ وعدم انتظام صرف الرواتب داخل الجيش اليمني والتشكيلات العسكرية الأخرى لعبا دورًا كبيرًا في دفع مقاتلين يمنيين إلى السفر إلى روسيا بحثًا عن دخل أفضل. وتعيد هذه الشهادات تسليط الضوء على كلفة الحرب اليمنية الممتدة، وكيف فتحت الأزمات المعيشية بابًا جديدًا لاستغلال مقاتلين يمنيين في صراعات خارج حدود بلادهم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى