العالم العربي

خطة الكماشة.. كيف يسعى سموتريتش لإسقاط السلطة وإفراغ الضفة؟

سلطت الكاتبة عميرة هيس، في مقال بصحيفة “هآرتس”، الضوء على ما وصفته بإستراتيجية إسرائيلية متدرجة لإسقاط السلطة الفلسطينية وتفكيك حضورها في الضفة الغربية، مستندة إلى تقرير كاشف نشرته الصحفية هاجيت روزنباوم في صحيفة “بيشيفع”، المنبر الإعلامي الأبرز لتيار المستوطنين واليمين الديني المتطرف.
وأوضحت هيس أن تقرير “بيشيفع”، الذي جاء تحت عنوان “أوسلو، النهاية”، لا يبدو مجرد قراءة صحفية أو تحليل سياسي عابر، بل يقدم وصفًا عمليًا قريبًا من دوائر الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، ويكشف ملامح خطة تقوم على ما يشبه “حركة كماشة” تستهدف السلطة الفلسطينية اقتصاديًا وجغرافيًا في وقت واحد.
الخنق الاقتصادي والفوضى البديلة
ينقل المقال الأصلي في “بيشيفع” ما يعتبره نجاحات حققها سموتريتش في تجميد تحويل أموال المقاصة الفلسطينية، التي بلغت نحو 14 مليار شيكل، إلى جانب منع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى سوق العمل داخل إسرائيل.
وتشير الصحيفة اليمينية، وفق ما عرضته هيس، إلى أن الهدف المباشر من هذه الإجراءات يتمثل في شل منظومات التعليم والصحة والخدمات العامة داخل الأراضي الفلسطينية، بما يؤدي إلى خلط الأوراق في الشارع الفلسطيني ودفعه نحو حالة من الغضب والفوضى.
وتؤكد القراءة التي تقدمها الصحيفة أن هذه السياسة تستهدف الوصول إلى نتيجة من اثنتين: إما تمرد واسع ضد قيادة السلطة الفلسطينية، أو دفع السكان إلى اليأس والهجرة الجماعية إلى خارج الضفة الغربية.
وترى هيس أن هذا المسار يمثل تطبيقًا عمليًا لما عُرف بـ“خطة الحسم” التي أعلنها سموتريتش عام 2017، والتي تقوم على فرض واقع سياسي وأمني جديد ينهي فعليًا فكرة الدولة الفلسطينية.
إعادة صياغة الجغرافيا
يكشف تقرير الصحيفة اليمينية، بحسب هيس، أن سموتريتش أعد خطة جاهزة لإعادة تصنيف الأراضي الفلسطينية، عبر نقل مناطق إستراتيجية من التصنيفين “أ” و“ب” إلى المنطقة “ج” الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
وتستهدف هذه الخطوة، في جوهرها، إلغاء اتفاقيات أوسلو عمليًا، من خلال تقليص المساحات التي تتمتع فيها السلطة الفلسطينية بصلاحيات إدارية أو أمنية، وانتظار اللحظة السياسية المناسبة لإعلان التنفيذ، خصوصًا في مرحلة “اليوم التالي لغياب أبو مازن”.
وتشير هيس إلى أن إعادة تصنيف الأراضي لا تمثل إجراءً إداريًا محدودًا، بل خطوة سياسية كبرى تسعى إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية المباشرة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
كما تعني هذه الخطة، في حال تنفيذها، تحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان منزوع الأدوات، فاقد القدرة على إدارة السكان أو حماية الأرض، بما يفتح الباب أمام واقع ميداني جديد تفرضه حكومة اليمين الإسرائيلي.
أموال المقاصة كورقة ابتزاز سياسي
وتكشف هيس أيضًا عن مساعٍ إسرائيلية تدرسها واشنطن لإعادة توجيه جزء من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لتمويل “مجلس السلام” الدولي المتعثر الخاص بإعادة إعمار غزة.
وتلفت إلى أن هذه الأموال مخصصة أصلًا لرواتب الموظفين الفلسطينيين في غزة، ولعلاج المرضى، ولتمويل احتياجات أساسية، ما يجعل استخدامها في مشاريع سياسية خارج إرادة الفلسطينيين صورة من صور تحويل المال الفلسطيني إلى رهينة ابتزاز.
وترى الكاتبة أن هذا المسار يعكس تواطؤًا دوليًا محتملًا في التعامل مع أموال فلسطينية منهوبة باعتبارها أداة ضغط سياسي، لا باعتبارها حقوقًا مالية واجبة السداد.
ويزيد ذلك، بحسب مضمون المقال، من خطورة الخطة الإسرائيلية، لأنها لا تكتفي بخنق السلطة ماليًا، بل تحاول توظيف هذا الخنق في إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني داخليًا وخارجيًا.
خطة واقعية لا سيناريو افتراضي
وتخلص هيس إلى أن ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد سيناريو افتراضي أو تهديد سياسي عابر، بل خطة واقعية ومدروسة ينفذها اليمين الصهيوني المتطرف بهدف تفكيك السلطة الفلسطينية وإفراغ الضفة الغربية من مقومات الصمود.
وتؤكد أن هذه الخطة تعتمد على أدوات متداخلة: خنق اقتصادي، تقويض إداري، تغيير جغرافي، وتعطيل سياسي، في ظل صمت دولي يسمح بتمرير وقائع جديدة على الأرض.
وبذلك، تتحول “خطة الكماشة” إلى إستراتيجية شاملة تستهدف إسقاط السلطة من الداخل، وإعادة هندسة الضفة الغربية سياسيًا وسكانيًا، عبر بوابة الفوضى الاقتصادية والتطهير البطيء المقنّع بالإجراءات الإدارية والمالية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى