زيارة عقيلة صالح إلى القاهرة.. هل تعيد مصر رسم توازنات المشهد الليبي؟

تأتي زيارة رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح إلى القاهرة في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية، وسط تحركات إقليمية ودولية متسارعة لإعادة ترتيب المشهد الليبي، ومحاولات مستمرة لمنع عودة الانقسام العسكري أو انهيار التفاهمات الهشة بين الشرق والغرب.
الزيارة، التي تضمنت لقاءات سياسية وبرلمانية رفيعة، أعادت تسليط الضوء على طبيعة الدور المصري في الأزمة الليبية، كما فتحت باب التساؤلات حول مستقبل التفاهمات بين معسكري الشرق والغرب، وحدود التحول الذي طرأ على المقاربة المصرية خلال السنوات الأخيرة.
وخلال كلمته أمام البرلمان المصري، حرص عقيلة صالح على توجيه رسائل سياسية واضحة، مؤكدًا أن القاهرة “لم يتغير موقفها تجاه ليبيا منذ بداية الأزمة”، وأنها تمثل “صمام أمان” للاستقرار الليبي والإقليمي، مشيدًا بالعلاقات التاريخية والاجتماعية بين الشعبين المصري والليبي.
لكن الزيارة لم تُقرأ بنفس الطريقة داخل معسكر الغرب الليبي، حيث تابعتها منصات إعلامية ومحللون محسوبون على طرابلس ومصراتة بمزيج من التوجس والتشكيك، معتبرين أن عقيلة صالح يسعى لإعادة تثبيت موقعه السياسي في ظل تصاعد الدعوات لإنهاء المرحلة الانتقالية الحالية، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة.
وترى قوى سياسية وإعلامية في الغرب أن رئيس البرلمان الليبي يمثل الغطاء السياسي لمعسكر الشرق بقيادة خليفة حفتر، وأن تحركاته في القاهرة تهدف إلى الحصول على دعم سياسي واقتصادي جديد يضمن استمرار نفوذ الشرق الليبي، خاصة فيما يتعلق بحكومة أسامة حماد المكلفة من البرلمان، والتي لا تحظى باعتراف دولي.
كما تعتبر أطراف في طرابلس أن أي تحركات تتعلق بميزانية موحدة أو ترتيبات اقتصادية جديدة قد تمثل محاولة لتكريس الانقسام المالي والمؤسساتي، ومنح معسكر الشرق مساحة أوسع للتحكم في الموارد النفطية والعوائد السيادية.
وفي المقابل، تكشف التحركات المصرية الأخيرة عن تحول تدريجي ومرن في طريقة تعامل القاهرة مع الملف الليبي، حيث انتقلت من مرحلة الانحياز شبه الكامل لمعسكر الشرق إلى محاولة لعب دور أكثر توازنًا يقوم على التواصل مع مختلف الأطراف الليبية.
فالقاهرة لم تعد تحصر اتصالاتها في بنغازي وطبرق، بل عززت خلال الفترة الأخيرة تواصلها مع حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والمجلس الرئاسي في طرابلس، في إطار سياسة تهدف إلى حماية المصالح المصرية الأمنية والاقتصادية، وعلى رأسها تأمين الحدود الغربية، ومشروعات إعادة الإعمار، وعودة العمالة المصرية إلى السوق الليبية.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس إدراكًا مصريًا بأن استمرار الانقسام الليبي يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، خصوصًا مع تصاعد نشاط شبكات التهريب والهجرة غير الشرعية والتنظيمات المسلحة العابرة للحدود.
ورغم هذا الانفتاح النسبي، لا تزال القاهرة تتمسك بثوابت رئيسية في سياستها تجاه ليبيا، أبرزها رفض استمرار الوجود العسكري الأجنبي والمرتزقة داخل الأراضي الليبية، سواء المرتبطين بالقوات التركية في الغرب أو بالعناصر الأجنبية المنتشرة في الشرق والجنوب الليبي، باعتبار أن استمرار هذا الوضع يهدد استقرار المنطقة بالكامل.
كما تدفع مصر بقوة نحو إحياء المسار الانتخابي عبر القوانين المنبثقة عن لجنة “6+6” المشتركة بين مجلسي النواب والدولة، مع طرح فكرة تشكيل حكومة موحدة مصغرة تتولى الإشراف على الانتخابات وإنهاء الانقسام المؤسسي.
وفي خلفية المشهد السياسي، تتواصل تفاهمات غير معلنة بين شخصيات نافذة في الشرق والغرب، حيث يتحدث مراقبون عن تنسيق متزايد بين صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، وبين دوائر مقربة من عبد الحميد الدبيبة، خاصة فيما يتعلق بإدارة العوائد النفطية وتمويل بعض المشروعات الاقتصادية ومنع العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة.
ويصف متابعون هذه التفاهمات بأنها “تقارب براجماتي” يهدف إلى تثبيت توازنات السلطة الحالية أكثر من كونه مشروعًا حقيقيًا لإنهاء الأزمة الليبية بشكل جذري، خصوصًا مع استمرار الخلافات حول توزيع السلطة وشكل المؤسسة العسكرية وآليات إجراء الانتخابات.
وفي الوقت نفسه، يظل المسار العسكري المشترك عبر لجنة “5+5” من أكثر المسارات تماسكا داخل الأزمة الليبية، حيث نجحت اللجنة خلال السنوات الأخيرة في الحفاظ على مستوى مقبول من التنسيق الأمني، ومنع انهيار وقف إطلاق النار، إلى جانب التعاون في ملفات مكافحة الإرهاب وتأمين الحقول النفطية والحدود الجنوبية، التي تشهد توترات متزايدة بسبب تداعيات الصراع في السودان وتشاد ومنطقة الساحل الأفريقي.
ومن أبرز المتغيرات التي انعكست على المشهد الليبي خلال العامين الأخيرين، التحسن الكبير في العلاقات المصرية التركية، والذي ساهم في تخفيف حدة الاستقطاب داخل ليبيا، بعدما انتقلت العلاقة بين القاهرة وأنقرة من مرحلة التنافس الحاد إلى إدارة مشتركة للتوازن ومنع التصعيد.
هذا التقارب شجع الأطراف الليبية على الحفاظ على حالة التهدئة، خاصة في مناطق كانت تمثل خطوط تماس خطيرة مثل سرت والجفرة، والتي تحولت تدريجيًا من مناطق تهديد بالمواجهة إلى مناطق تنسيق أمني غير معلن.
كما تدعم كل من الإمارات والسعودية مسار التهدئة الحالي، مع التركيز على استقرار قطاع النفط الليبي، ومنع انزلاق البلاد إلى موجة جديدة من الفوضى الأمنية التي قد تؤثر على أمن المنطقة وأسواق الطاقة.
ويرى مراقبون أن زيارة عقيلة صالح إلى القاهرة تعكس محاولة لإعادة ترتيب الأوراق قبل أي تسوية سياسية محتملة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإنتاج سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات، بينما لا تزال الأطراف الليبية الرئيسية تتعامل بحذر شديد مع أي خطوات قد تهدد توازن النفوذ القائم حاليًا.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو ليبيا أمام مرحلة عنوانها “إدارة الأزمة” أكثر من حلها النهائي، مع استمرار التفاهمات المؤقتة وبقاء الانقسام السياسي والعسكري قائمًا، رغم تراجع احتمالات الحرب الشاملة مقارنة بالسنوات الماضية.







