الدكتور أيمن نور يكتب: بيان الأزهر.. شرخ في قانون الأسرة

عاصفةٌ حقيقية تضرب المشهد التشريعي والسياسي في مصر منذ صدور بيان الأزهر الشريف بشأن مشروع قانون الأحوال الشخصية، لا بسبب خلاف فقهي عابر، بل لأن البيان فتح الباب أمام سؤال بالغ الخطورة: كيف يُناقش قانون يمس عقيدة المجتمع وبنية الأسرة المصرية دون مشاركة المؤسسة الدينية الأهم في البلاد؟
ذلك السؤال لم يعد مجرد سجال إعلامي، بل تحوّل إلى أزمة ثقة مكتملة الأركان. فالأزهر أعلن بوضوح أن مشروع القانون المتداول لم يُعرض عليه، رغم أن المؤسسة نفسها كانت قد انتهت منذ سنوات من إعداد مشروع متكامل للأحوال الشخصية شارك فيه علماء شريعة وفقهاء وقانونيون ومتخصصون في قضايا الأسرة والمجتمع.
بيان الأزهر جاء هادئًا في لغته، لكنه كان شديد الحسم في دلالته. لم يدخل في صدام سياسي، ولم يهاجم أحدًا، لكنه وضع البرلمان والحكومة أمام حقيقة ثقيلة: ثمة قانون بالغ الحساسية يتحرك داخل المسار التشريعي بينما المرجعية الدينية الأساسية في الدولة ليست جزءًا من لحظة النقاش.
المسألة هنا لا تتعلق بمجاملة مؤسسة أو منحها “حق الفيتو”، بل تتعلق بطبيعة قوانين الأحوال الشخصية نفسها. فهذه القوانين ليست لوائح إدارية عادية، بل نصوص تمس الزواج والطلاق والحضانة والنسب والنفقة والولاية والرؤية، أي أنها تتصل مباشرة بأحكام الشريعة الإسلامية وبالوجدان الاجتماعي والثقافي للمصريين.
الدستور المصري نفسه لم يتعامل مع الأزهر باعتباره مؤسسة دعوية فقط، بل منحه وضعًا خاصًا بوصفه المرجعية الأساسية في العلوم والشؤون الإسلامية. لذلك فإن تجاوز الأزهر، أو حتى عدم التنسيق الكامل معه، يضعف تلقائيًا الشعور العام بالاطمئنان تجاه أي تشريع يمس الأسرة.
خطورة اللحظة لا تكمن فقط في غياب الأزهر عن المشهد، بل في الطريقة التي أُدير بها الملف كله. فالقانون خرج إلى المجال العام عبر تسريبات ومناقشات متعجلة وتصريحات متضاربة، بينما ظل المجتمع نفسه عاجزًا عن الوصول إلى نسخة مستقرة ونهائية يفهم منها ماذا تريد الدولة فعلًا من الأسرة المصرية.
الارتباك لم يتوقف عند حدود الإجراءات، بل امتد إلى مضمون المشروع نفسه. فالنصوص المتداولة أثارت اعتراضات قانونية واجتماعية واسعة، خاصة ما يتعلق بفضفاضية بعض المصطلحات مثل “الضرر” و”التدليس” و”الإخلال بالواجبات الأسرية”، وهي تعبيرات خطيرة إذا تُركت دون تعريفات دقيقة ومنضبطة.
القانون الجيد لا يقوم فقط على حسن النية، بل على الدقة التشريعية. وكل مصطلح مطاط داخل قانون الأسرة قد يتحول لاحقًا إلى آلاف القضايا ومئات الاجتهادات المتناقضة داخل المحاكم، في بلد تعاني محاكمه أصلًا من تضخم هائل في المنازعات الأسرية.
بعض المواد المتعلقة بالنفقة والتنفيذ المالي والحجز على الرواتب أثارت كذلك مخاوف واسعة، ليس اعتراضًا على حق المرأة والطفل في الحماية، بل خوفًا من أن تتحول العلاقة الأسرية إلى علاقة يسيطر عليها منطق العقوبات والتهديد المتبادل بدلًا من فلسفة الإصلاح والتوازن.
الأسرة المصرية اليوم تقف أصلًا فوق أرض مرهقة؛ تضخم اقتصادي، وغلاء خانق، وتراجع القدرة الشرائية، وخوف متزايد من تكاليف الزواج والحياة. وفي مثل هذه اللحظات الحساسة يصبح التشريع مسؤولية مضاعفة، لأن أي خلل في التوازن قد يدفع مزيدًا من الشباب إلى العزوف عن الزواج، أو إلى التعامل مع مؤسسة الأسرة باعتبارها مخاطرة قانونية ونفسية لا طاقة لهم بها.
المفارقة المؤلمة أن الجميع يتحدث باسم “حماية الأسرة”، بينما الخطاب العام يتحول تدريجيًا إلى معركة مفتوحة بين الرجال والنساء. وذلك أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات؛ أن تتحول قوانين الأسرة إلى أدوات استقطاب نفسي واجتماعي بدلًا من أن تكون وسيلة لبناء الطمأنينة.
المرأة المصرية احتاجت طويلًا إلى إنصاف قانوني حقيقي في ملفات كثيرة، وبعض الرجال أيضًا وقعوا ضحايا لاختلالات تنفيذية وتشريعية ونفسية داخل منظومة الأسرة. لكن العلاج لا يكون بإنتاج شعور جديد بالظلم لدى أي طرف، لأن الأسرة لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق العدالة المتوازنة.
المشروع الحالي يفتقد، حتى الآن، ذلك الإحساس بالتوافق المجتمعي الواسع. وحين تغيب الثقة، تتحول النصوص مهما كانت جيدة إلى مصدر خوف وريبة. الناس لا تقرأ القوانين بعين القانونيين فقط، بل تقرأها أيضًا بقلوبها وخبراتها اليومية ومخاوفها على أولادها ومستقبلها.
الأزهر، ببيانه الأخير، أعاد التذكير بفكرة شديدة الأهمية: قوانين الأسرة لا تُصاغ داخل الغرف المغلقة، ولا تُبنى على ردود فعل عابرة أو ضغوط إلكترونية أو رغبة في تسجيل انتصار لطرف على آخر. تلك القوانين تحتاج إلى حوار واسع يشارك فيه علماء الدين والقانون والنفس والاجتماع والاقتصاد، لأن آثارها تمتد لعقود طويلة داخل المجتمع.
التجارب الدولية تؤكد أن أكثر قوانين الأحوال الشخصية نجاحًا هي تلك التي خرجت من توافقات واسعة، بينما تحولت القوانين التي صدرت في أجواء انقسام واستعجال إلى مصدر دائم للنزاعات والطعون والتعديلات المتكررة.
المشرّع المصري اليوم أمام اختبار حقيقي، لا يتعلق فقط بتمرير مواد قانونية، بل بقدرته على إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة في ملف يمس كل بيت تقريبًا. فالقوانين يمكن تمريرها بالأغلبية العددية، لكن الاستقرار الاجتماعي لا يُفرض إلا بالتوازن والحكمة والقبول العام.
ذلك ما كشفه بيان الأزهر بوضوح بالغ؛ فالأزمة لم تعد مجرد خلاف حول مواد قانونية، بل أصبحت خلافًا حول طريقة إدارة الدولة نفسها لملفاتها الأكثر حساسية. وحين تصل الأزمة إلى هذه النقطة، يصبح التراجع للمراجعة والحوار علامة قوة لا ضعف.
الأسرة المصرية لا تحتاج اليوم إلى قانون سريع بقدر حاجتها إلى قانون عادل ومتزن ومطمئن. قانون يشعر معه الأب والأم والطفل أن الدولة تحاول حماية البيت المصري من الانهيار، لا إضافة شقوق جديدة إلى جدرانه المتعبة.







