مقالات وآراء

معتصم الكيلاني يكتب: القنيطرة بين القانون الدولي وخراب الحرب: هل تتحول المنازل المدمّرة إلى ملفات مساءلة وتعويض؟

في الحروب الحديثة، لا تبقى البيوت مجرد حجارة وأسقف. إنها تتحول إلى وثائق سياسية، وإلى أدلة قانونية، وأحيانًا إلى شواهد على انهيار الحدود الفاصلة بين الضرورة العسكرية والعقاب الجماعي. وفي القنيطرة السورية، حيث تتكرر مشاهد المنازل المهدمة والأراضي المجرفة تحت وقع العمليات العسكرية الإسرائيلية، يعود سؤال القانون الدولي إلى الواجهة: متى يصبح تدمير الممتلكات المدنية جريمة حرب؟ ومن يملك حق المطالبة بالتعويض؟ وهل يستطيع المدنيون تحويل المأساة إلى ملف قانوني قابل للمحاسبة؟

البيوت في القانون الدولي: حماية أصلية لا تسقط إلا بشروط صارمة

ينطلق القانون الدولي الإنساني من قاعدة مركزية مفادها أن المنازل والأعيان المدنية تتمتع بحماية أصلية ومباشرة أثناء النزاعات المسلحة. فوفق اتفاقيات جنيف، لا يجوز استهداف الممتلكات المدنية أو تدميرها إلا إذا تحولت بصورة واضحة إلى أهداف عسكرية فعلية، وبالقدر الذي تفرضه ضرورة عسكرية حتمية ومحددة.

هذه القاعدة ليست نظرية فحسب، بل تشكل أحد الأعمدة الأساسية لقانون الحرب المعاصر. فالقانون لا يمنح الجيوش حق التدمير المفتوح تحت ذريعة العمليات العسكرية، بل يفرض عليها احترام مبدأين أساسيين: التمييز والتناسب.

ويعني مبدأ التمييز الفصل الدائم بين المدنيين والمقاتلين، وبين المنشآت المدنية والأهداف العسكرية. أما مبدأ التناسب، فيلزم أي قوة مهاجمة بالامتناع عن تنفيذ عمليات ينتج عنها ضرر مفرط للمدنيين مقارنة بالميزة العسكرية المرجوة.

ومن هنا، فإن أي تدمير واسع النطاق لمنازل المدنيين في القنيطرة، أو تجريف للأراضي الزراعية دون وجود مبرر عسكري مباشر ومحدد، يثير إشكاليات قانونية جدية قد تدخل ضمن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة، وربما ضمن الأفعال التي تصنف كجرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

لكن الإشكالية الأعمق تكمن في أن القانون الدولي لا يكتفي بفحص “الهدف العسكري” المعلن، بل ينظر أيضًا إلى نمط العمليات وتكرارها وحجم آثارها على السكان المدنيين. فحين يتحول تدمير البيوت إلى سياسة متكررة، يصبح النقاش قانونيًا بقدر ما هو سياسي.

التعويض: حق قانوني لا مجرد مطلب أخلاقي

في القانون الدولي، لا تنتهي المسؤولية عند حدود الإدانة أو التوصيف السياسي. فكل فعل غير مشروع دوليًا يرتب التزامًا بجبر الضرر. وهذا المبدأ كرسته اجتهادات محكمة العدل الدولية، كما أكدته مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الضحايا في الإنصاف والتعويض.

ومن حيث المبدأ، يملك المدنيون الذين دُمّرت منازلهم أو أراضيهم حق المطالبة بتعويضات عن الخسائر المادية والمعنوية. غير أن مفهوم التعويض في القانون الدولي أوسع بكثير من مجرد دفع الأموال. فهو يشمل إعادة الممتلكات إن أمكن، وإعادة التأهيل، والتعويض المعنوي، وضمانات عدم التكرار.

لكن بين النصوص القانونية والواقع السياسي فجوة واسعة. فالتجارب الدولية، من البلقان إلى العراق ولبنان، أظهرت أن الوصول إلى التعويضات غالبًا ما يرتبط بموازين القوى الدولية، وبوجود اتفاقات سياسية أو آليات قضائية قابلة للتنفيذ.

ولهذا السبب، يصبح التوثيق القانوني للأضرار مسألة مصيرية. فالبيت المهدّم الذي لا تملك أسرته وثائق ملكيته، أو الصور التي تثبت تاريخ تدميره، قد يتحول مع مرور الوقت إلى مجرد رواية شفوية يصعب إثباتها أمام أي هيئة دولية.

من الضحية إلى صاحب دعوى: كيف يبني المدنيون ملفاتهم القانونية؟

في النزاعات الممتدة، لا يبدأ المسار القانوني في المحاكم، بل في تفاصيل الحياة اليومية للضحايا. فالصورة الملتقطة بالهاتف، وسند الملكية القديم، وشهادة الجيران، والتقرير الهندسي، كلها تتحول لاحقًا إلى عناصر إثبات قانونية.

ولهذا، فإن أول ما يحتاجه المدنيون في القنيطرة هو بناء أرشيف قانوني متكامل يوثق كل حالة تدمير بصورة دقيقة: تاريخ الاستهداف، موقع العقار، طبيعة الضرر، الظروف المحيطة بالعملية العسكرية، وأسماء الشهود.

بعد ذلك، يصبح التعاون مع المنظمات الحقوقية المحلية والدولية خطوة أساسية، سواء لإدراج الانتهاكات ضمن تقارير لجان التحقيق التابعة للأمم المتحدة، أو لإحالتها إلى الآليات الدولية المختصة بتوثيق جرائم الحرب في سوريا.

كما تبرز هنا أهمية مبدأ “الولاية القضائية العالمية”، الذي بدأت بعض الدول الأوروبية باستخدامه لمحاكمة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، حتى وإن ارتكبت خارج أراضيها. ورغم أن هذا المسار معقد وطويل، فإنه يمنح الضحايا نافذة قانونية لا ينبغي التقليل من أهميتها.

ماذا عن الدولة السورية؟

قانونيًا، لا تقع مسؤولية المتابعة على الضحايا وحدهم. فالدولة السورية، بوصفها صاحبة السيادة، تتحمل بدورها مسؤولية توثيق الأضرار ومتابعة الانتهاكات الواقعة على المدنيين وممتلكاتهم.

ويفترض بالحكومة السورية، أولًا، إنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة تتضمن أسماء المالكين، والسجلات العقارية، وحجم الأضرار، والأدلة المرتبطة بكل حالة. لأن أي مطالبة مستقبلية بالتعويض، سواء أمام المحاكم أو ضمن تسوية سياسية، ستقوم أساسًا على قوة هذا التوثيق.

دبلوماسيًا، يمكن لسوريا استخدام أدوات الأمم المتحدة، سواء عبر مجلس حقوق الإنسان أو الجمعية العامة أو غيرها من الآليات الدولية، للمطالبة بالتحقيق في الانتهاكات وإثارتها على المستوى الدولي.

أما قضائيًا، فتبقى الخيارات أكثر تعقيدًا، لكنها ليست مستحيلة. إذ يمكن نظريًا اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في حال توافرت الشروط القانونية والسياسية المناسبة، أو دعم أي آليات دولية تتعلق بالمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.

غير أن نجاح أي تحرك من هذا النوع لن يعتمد فقط على الخطاب السياسي، بل على قدرة الدولة على تحويل الملف إلى قضية قانونية موثقة بالأدلة والمعايير المعترف بها دوليًا.

بين الركام والعدالة

في النهاية، لا تكمن خطورة تدمير المنازل في القنيطرة فقط في الخسائر العمرانية أو الاقتصادية، بل في ما يتركه ذلك من أثر طويل الأمد على مفهوم الحماية القانونية للمدنيين في زمن الحرب.

فالقانون الدولي، رغم هشاشته السياسية أحيانًا، لا يزال يحتفظ بقوة رمزية وقانونية مهمة: إنه يوثق، ويصنف، ويؤسس لذاكرة قضائية قد تتحول يومًا إلى مساءلة أو تعويض أو حتى اعتراف رسمي بالضرر.

وفي النزاعات الطويلة، كثيرًا ما تبدأ العدالة بصورة منزل مهدّم… ثم تتحول مع الزمن إلى ملف لا يسقط بالتقادم السياسي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى