مقالات وآراء

ماهر المذيوب يكتب: النائبان المنفيّان قسريًا… محمد بن سالم وأحمد العماري نموذج مشرّف للصمود أمام الظلم والمرض والغرب

ماهر المذيوب، عضو مجلس نواب الشعب بالجمهورية التونسية عن دائرة الدول العربية وبقية دول العالم، ومساعد رئيس المجلس للفترة النيابية 2019–2024، يسلط الضوء على الوضع الإنساني المؤلم للنائبين السابقين محمد بن سالم وأحمد العماري، بعد 968 يومًا من الإقامة الجبرية القسرية في محافظة قابس جنوب تونس، وسط معاناة صحية وإنسانية متفاقمة.

تمرّ اليوم 968 يومًا على إخضاع النائبين السابقين محمد بن سالم وأحمد العماري، عن الفترة النيابية 2014–2019، لما يشبه الإقامة الجبرية القسرية في محافظة قابس جنوب تونس.

968 يومًا من القيود، والمرض، والعزلة، والمعاناة، دون حكم قضائي معلّل، ودون مبرر إنساني أو أخلاقي، في حق رجلين يبلغان من العمر 74 عامًا، يعانيان من أمراض مزمنة خطيرة، ولم يثبت عنهما القيام بأي نشاط غير قانوني.

ماذا يعني أن تعيش تحت الإقامة الجبرية القسرية في تونس اليوم؟

أولًا، يُفرض عليك السكن بعيدًا عن موطنك الطبيعي وحياتك المعتادة.
السيد محمد بن سالم، الذي اعتاد التنقل بين زغوان وباريس، والسيد أحمد العماري، ابن محافظة مدنين وبيتها، وجدا نفسيهما، منذ 25 سبتمبر 2023، مجبرين على الإقامة في محافظة قابس، أحدهما في قابس المدينة، والآخر في الحامة.

ثانيًا، يُمنع كل واحد منهما من الإقامة مع الآخر، أو مع أي شخص آخر، وتُقيّد حركتهما بشكل صارم.
كما يُمنعان من التنقل داخل البلاد، حتى أصبحت مراجعة المحكمة نفسها تتم تحت رقابة أمنية مشددة.

ثالثًا، يُمنع الرجلان من لقاء الناس، أو حضور الأفراح، أو حتى تشييع الجنائز.
وقد فقدا أعزاء عليهما، لكن مُنعا من أداء واجب الوداع الأخير، فقط لأن المتوفى من مسقط الرأس.

أيّ قسوة هذه؟

أيّ عدالة يمكن أن تبرر حرمان إنسان من حقه في وداع أحبّته؟
وأيّ قانون يمكن أن يقبل بتحويل الغربة داخل الوطن إلى عقوبة يومية مفتوحة، لا تراعي السن ولا المرض ولا أبسط الحقوق الإنسانية؟

رابعًا، يقوم النائبان، وهما في منتصف السبعينات من العمر، بتحمّل أعباء الحياة اليومية والمعيشة بأنفسيهما.
ورغم وقوف أفراد كريمين من عائلتيهما إلى جانبهما، تبقى الأسئلة المؤلمة حاضرة كلما غادر الأحبة:

لماذا نحن هنا؟
ماذا فعلنا حتى نُعاقب بالعزلة، ونُحرم من دفء العائلة وطمأنينة البيت؟

الأكثر إيلامًا

عندما دخل النائب محمد بن سالم السجن، دخل ماشيًا على قدميه، أما اليوم فقد أصبحت الحركة بالنسبة إليه معاناة يومية.
والنائب أحمد العماري دخل المعتقل كامل البصر، وغادره وقد فقد جزءًا كبيرًا من قدرته على الإبصار.

ومع تدهور حالتهما الصحية، ووجود أمراض مزمنة متعددة، يبقى السؤال الإنساني الصادم قائمًا:
لماذا يُحرمان من حق العلاج خارج محافظة قابس؟

السؤال الجوهري اليوم

لماذا كل هذا التنكيل؟ ولماذا كل هذه الانتهاكات القاسية ضد مواطنين تونسيين، ونائبين سابقين، ورجلين مشهود لهما بالسيرة الطيبة والأخلاق الحسنة؟

هل يمكن لشبهة، كما قيل، أن تبرر سنوات من الاعتقال، ثم الإقامة الجبرية القسرية، والمعاناة الصحية والنفسية والإنسانية؟

أما آن الأوان لإنهاء هذه القصة المؤلمة؟

أما آن الأوان لإيقاف هذا النزيف الإنساني؟
أما آن الأوان لإغلاق كل التتبعات، وتمكين الرجلين من العودة إلى بيتيهما، وعائلتيهما، وحياتهما الطبيعية، قبل العيد؟

بعد سنوات من الألم، وأيام عصيبة، وأربعة أعياد متتالية قضياها وحيدين، يبقى ملف محمد بن سالم وأحمد العماري شاهدًا على أزمة أخلاقية وإنسانية عميقة، وعلى حاجة تونس الملحة إلى استعادة روح العدالة والرحمة والكرامة الإنسانية.

ماهر المذيوب
عضو مجلس نواب الشعب
مساعد رئيس المجلس للفترة النيابية 2019–2024

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى