
الدليل الأكثر سطوعًا على انحلال مفهوم الدولة في لبنان، ليس فقط في الانهيار المالي أو العجز الإداري، بل في النقاش العقيم والمسموم حول قانون العفو العام، حيث تختلط العدالة بالحسابات الطائفية، وتتحول القوانين إلى أدوات مساومة بين القوى السياسية والمذهبية، فيما يزداد شعور اللبنانيين بأنهم يعيشون داخل مزرعة سلطوية لا داخل دولة حقيقية.
في الدول الطبيعية، يُناقش العفو العام ضمن معايير قانونية ووطنية واضحة: حماية السلم الأهلي، معالجة الثغرات القضائية، وتحقيق العدالة المتوازنة بين حق المجتمع وحقوق الأفراد. أما في لبنان، فيبدو الملف وكأنه بازار سياسي مفتوح، تُستخدم فيه آلام الناس وأعمار الموقوفين كورقة تفاوض موسمية، ترتفع أسهمها قبل الانتخابات ثم تُرمى جانبًا بعد انتهاء الحاجة إليها.
الخطير في هذا الملف ليس فقط التعثر المستمر، بل الطريقة التي يُدار بها الخطاب السياسي والإعلامي حوله. فإذا كان القرار السياسي الفعلي يتجه إلى استثناء غالبية الموقوفين الإسلاميين، فمن الأفضل قول ذلك بوضوح بدل الاستمرار في بيع الأوهام لعائلات انتظرت سنوات طويلة على أبواب المحاكم والسجون. فالغموض هنا لا يهدئ الشارع، بل يراكم الاحتقان ويزرع شعورًا متزايدًا بالتمييز والاستهداف.
لا أحد يطالب بتبرئة من ارتكب جرائم قتل أو فجّر أو اعتدى على الجيش والمؤسسات الأمنية. هذه مسائل تمسّ الأمن الوطني ولا يمكن التعامل معها بخفة أو مزايدات شعبوية. لكن في المقابل، هل منطق الدولة يقبل ببقاء موقوفين لسنوات طويلة من دون محاكمات عادلة وسريعة؟ وهل يجوز أن تتحول العدالة البطيئة إلى شكل آخر من أشكال الظلم المقنّع؟
المعضلة أن السلطة اللبنانية لم تنجح أصلًا في بناء ثقة بين المواطن والقضاء. ولذلك، فإن أي حديث عن استثناءات انتقائية ضمن قانون العفو سيُقرأ فورًا بمنظار طائفي ومذهبي، خصوصًا في ظل ذاكرة لبنانية مثقلة بالسوابق والتسويات غير المتوازنة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين يشعر جزء من اللبنانيين أن العدالة تُطبّق عليهم وحدهم، بينما تُفتح أبواب التسويات أمام آخرين وفق موازين القوة السياسية.
الأخطر أن بعض القوى السياسية تتعامل مع الملف بعقلية إدارة التوتر لا حلّه. فهي تدرك حساسية القضية داخل الشارع السني تحديدًا، لكنها تفضّل إبقاءها معلقة للاستثمار السياسي والشعبوي، بدل الذهاب نحو مقاربة شجاعة تعترف بوجود خلل بنيوي في مسار التوقيفات والمحاكمات الطويلة.
لبنان اليوم لا يحتمل المزيد من القنابل الاجتماعية والمذهبية. والعبث بملف بهذا الحجم، من دون عدالة حقيقية وشفافية كاملة، قد يفتح أبواب توتر خطيرة تتجاوز السجون والمحاكم إلى الشارع نفسه. فالسلم الأهلي لا يُحمى بالشعارات، بل بإقناع الناس أن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن القانون ليس أداة انتقام ولا وسيلة ابتزاز سياسي.
لهذا، فإن أي قانون عفو لا يقوم على معايير قضائية واضحة وعادلة ومتوازنة، بل على الحسابات الطائفية والصفقات السياسية، لن يكون مدخلًا للاستقرار، بل وصفة جديدة لتفجير الاحتقان الكامن تحت الرماد.







