
العَلمانية أو العالَمانية أو الدنيوية أو العِلمانية هي المبدأ القائم على فصلِ الحكومة ومؤسساتها والسّلطة السّياسيّة عن السّلطة الدّينيّة أو الشّخصيّات الدّينيّة، ويتم تعريف العلمانية كمبدأ ومنهج فكري يرى أن التفاعل البشري مع الحياة يجب أن يقومَ على أساس دنيوي ويحكمه دستور يتم الإتفاق عليه بين الناس ، وقانون لا يفرق بين المواطنين أيا كانت آراءهم أو ديانتهم أو إنتمائتهم ، وليس على تفسيرات رجال الدين للكتب السماوية.
ويتم الترويج للعلمانية بشكل شائع على أنها فصل الدين عن شئون حكم الدولة.
ينطبقُ نفس المفهوم والفكر العلماني على النظرة إلى الكون والأجرام السّماويّة، فالعلمانية تدعو لتفسير النّظام الكونيّ بصورة دُنيويّة علمية بحتة، في محاولة لإيجاد تفسير لوجود الكون ومُكوّناته، وهي تفسيرات قابلة للتّحديث والتّكييف حسب ظروف تقدم العلم وليس مجرد تصديق التفسيرات المجازية على أنها حقائق علمية.
للأسف ،توصف العلمانية من قبل خصومها بأنها إلحاد، أي إعطاء تعريف لها لم يتواجد في فلسفة وجودها إلا عند خصوم فكرة فصل الدين عن الدولة، وربط ذلك بالإلحاد لجذب المواطنين وحشدهم ضد فكرة سياسية بتحويلها إلى فكرة دينية وهي ليست كذلك بوضوح.
هذا تلاعب بالتعريف للتأثير على عواطف البشر تجاه توجهات سياسية على أساس أنها توجهات ضد دينهم.
ولم يختلف الأمر عبر التاريخ، كان ذلك في المسيحية أو الإسلام أو اليهودية، فمن يستخدم الدين في السياسة ، ومتطرفو الأديان عبر التاريخ أقرب لبعضهم في المنهج، لأنهم ساعون للسلطة والتحكم في الآخرين بحجة أنهم على صواب والكل على خطأ.
العلمانية بوصفها فلسفة سياسية :
تنتمي العلمانية في جوهرها إلى منظومة العقد الاجتماعي التي أرسى قواعدها الفلاسفة جون لوك وجان جاك روسو ومونتسكيو، إذ تقوم على مبدأ أن الشرعية السياسية لا تستمد قوتها من مصدر إلهي أو ديني، بل من إرادة الأفراد المتعاقدين على العيش المشترك وفق قواعد يرتضونها بحرية.
ومن هنا فإن الدولة العلمانية لا تعادي الدين بل تتجاوزه كمصدر للسلطة، مُبقيةً عليه في فضائه الخاص بوصفه شأناً وجدانياً وإنسانياً عميقاً.
وقد ميّز الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط بين مجالين لا ينبغي خلطهما: مجال الأخلاق المبني على العقل العملي، ومجال الدين المبني على الإيمان.
وهذا التمييز هو في حد ذاته أساس فلسفي راسخ للعلمانية، لأنه يُقرّ بأن الإنسان قادر على بناء منظومة أخلاقية وقانونية سليمة دون الحاجة إلى مرجعية دينية في الشأن العام، مع احترام تلك المرجعية في الشأن الخاص.
أما على صعيد الفلسفة السياسية المعاصرة، فهناك إشكالية جوهرية تتعلق بـ”العقل العام”: كيف يمكن لمواطنين يحملون قناعات دينية وفلسفية متباينة أن يتفقوا على مبادئ عادلة تحكم حياتهم المشتركة؟
وإجابته أن ذلك لا يتحقق إلا حين تتخلى كل جهة عن ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة في الفضاء السياسي، والقبول بمبدأ التشاور العقلاني المتكافئ، وهو في جوهره جوهر الممارسة العلمانية.
وخلاصة القول فإن العلمانية ليست أيديولوجيا نهائية مغلقة، بل هي منهج تفاوضي مفتوح يقوم على قبول الاختلاف كحقيقة إنسانية راسخة، وعلى اعتبار السلطة أمانة مؤقتة قابلة للمحاسبة، لا حقاً مقدساً غير قابل للمراجعة. وفي هذا المعنى تكون العلمانية أقرب إلى الحكمة السياسية منها إلى الموقف العقدي.
النماذج العلمانية المقارنة: الفرنسي والأمريكي والتركي مرفق لها لينك لمن يحب الإطلاع عليها.
النموذج الفرنسي يمثل أكثر النماذج العلمانية حدةً وصرامةً في العالم، و النموذج الأمريكي ويمثل العلمانية التعددية وعلى النقيض من الفرنسي، يقوم النموذج الأمريكي على مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة دون إقصاء الدين من الحياة العامة.
يستحق النموذج التركي وقفةً تحليلية خاصة، لأنه الأكثر إثارةً للجدل والأغنى دراماتيكية في التاريخ، لأنه يمثل التجربة العلمانية الوحيدة التي نشأت في سياق إسلامي وبشكل قسري فوقي، مما يجعله نموذجاً إستثنائياً في تاريخ الفكر السياسي الحديث يكشف بجلاء عن الفرق الجوهري بين العلمانية كفلسفة حرية وبين العلمانية كأيديولوجيا سلطة.
حين نستعرض تجارب العلمانية عبر التاريخ وعبر الجغرافيا، من باريس إلى واشنطن إلى أنقرة، يتضح أن العلمانية ليست وصفةً جاهزة يمكن نسخها ولصقها على أي مجتمع، بل هي مسار تفاوضي مستمر بين الإنسان وسلطته وهويته وتاريخه.
فالإنسان كائن روحي ومادي في آنٍ واحد، يحتاج إلى الإيمان بما يتجاوزه وإلى العقل الذي ينظم حياته المشتركة مع غيره. والدولة الحكيمة هي التي تُتيح له هذا وذاك دون أن تُكرهه على أي منهما.
والدرس الأعمق الذي تكشفه التجربة التركية تحديداً، ويؤكده التاريخ السياسي الحديث، هو أن العلمانية بلا ديمقراطية وهمٌ، وأن الديمقراطية بلا علمانية خطرٌ شديد.
وثمة وهم متجذر في الوعي الشعبي يصور العلمانية والدين في حرب وجودية لا هوادة فيها، والحقيقة الفلسفية أعمق من ذلك بكثير. فالعلمانية في جوهرها لا تسأل: هل تؤمن بالله؟ بل تسأل: هل تؤمن بحق غيرك في الاختلاف معك؟ وحين تُطرح المسألة بهذه الصورة يتضح أن العلمانية ليست ضد الدين بل هي حارسته، لأنها تمنع دين الأغلبية من أن يستبد بالأقلية، وتمنع السلطة السياسية من توظيف الدين لتقديس نفسها وتحصين قراراتها من النقد والمحاسبة.
وفي نهاية المطاف يكشف التاريخ أن المشكلة الحقيقية لم تكن يوماً في الدين أو في العلمانية بحد ذاتهما، بل في إرادة الهيمنة التي تتلبس أي لباس أيديولوجي يخدم أغراضها. ولهذا فإن الضمانة الحقيقية لا تكمن في اختيار الأيديولوجيا الصحيحة، بل في بناء المؤسسات التي تحدّ من السلطة وتُخضعها للمساءلة بصرف النظر عن لباسها الفكري.
رؤيتي أن لا أحد يملك الحقيقة كاملة، ولهذا يجب أن يملك الجميع حق التعبير عن نفسه بلا فرض ارادة علي أخري.
وهذه الجملة هي العلمانية في أنقى صورها، وهي الديمقراطية في أعمق معانيها، وهي في الوقت ذاته روح كل رسالة دينية حقيقية قبل أن تستولي عليها السياسة وتحوّلها إلى أداة سلطان.
إذا حاولت الدولة ( وهو ما أري بوادره) كبت ومنع الحوار المدني العلماني ، فإنها تنحاز الي سيطرة الدين علي العمل السياسي وتنتهي الي دولة دينية غير مدنية، ثار عليها المجتمع المصري المتعدد بطبيعته الذي يعيش مواطنيه في اطار احترام المواطنة كما أقرها الدستور .







