
لم يكن أحمد حمدي مجرد ضابطٍ لامع في سلاح المهندسين، ولا مجرد اسمٍ ارتبط بكوبري أو نفق أو صفحة مضيئة في كتاب أكتوبر. شيءٌ أعمق من ذلك بكثير كان يسكن هذا الرجل. روحٌ تعرف كيف تحوّل الحديد إلى طريق، والخوف إلى عبور، والهزيمة إلى مشروع انتصار مؤجل. لذلك لم يرحل حين استشهد، بل بقي واقفًا هناك… عند حافة القناة، يحمل على كتفيه مصر كلها وهي تبحث عن طريقها إلى الضفة الأخرى.
صباح العشرين من مايو عام 1929، أبصرت المنصورة طفلًا هادئ الملامح، لم تكن المدينة تعرف أن الصبي الذي يكبر بين شوارعها القديمة سيصبح بعد سنوات أحد أكثر الرجال اقترابًا من فكرة البطولة الصامتة. بطولات لا تصنعها الخطب، بل تصنعها العقول الباردة تحت النار، والأيدي التي تعمل بينما الجميع يختبئون من الموت.
كلية الهندسة بجامعة القاهرة لم تمنحه فقط شهادة الميكانيكا عام 1951، بل منحته ما هو أخطر: الإيمان بأن العلم قد يكون سلاحًا لا يقل أهمية عن البندقية. وحين التحق بالقوات المسلحة، ثم انتقل إلى سلاح المهندسين، بدأ يدرك أن معارك المستقبل لن يحسمها الجنود وحدهم، بل سيحسمها أولئك الذين يعرفون كيف يبنون الطريق وسط الخراب.
سنوات مبكرة من عمره العسكري كشفت سريعًا عن معدن مختلف. تفوق أكاديمي لافت، ودورات عسكرية نادرة، وعقل هندسي شديد الانضباط، جعل قادته يدركون أنهم أمام ضابط لا يفكر بطريقة تقليدية. أكاديمية فرونز السوفيتية منحته تقدير امتياز، وأكاديمية ناصر العسكرية أضافت إلى شخصيته صلابة القائد الذي يجمع بين الحساب الدقيق وحدس الميدان.
زملاؤه لم ينسوا أبدًا ذلك اللقب الذي التصق به: «اليد النقية». لم يكن لقبًا عاطفيًا، بل توصيفًا حقيقيًا لرجل اقترب من الألغام كما يقترب الجراح من قلب مريضه. أكثر من ألفي لغم تعامل معها في صحارى مطروح، وكأنه يفاوض الموت بصبر العلماء وهدوء المؤمنين.
العدوان الثلاثي عام 1956 كشف مبكرًا عن ذلك المعدن النادر. هناك، عند كوبري الفردان، لم يكن المطلوب مجرد قرار عسكري، بل شجاعة رجل يعرف أن تدمير الجسر قد ينقذ وطنًا بأكمله. نفذ المهمة دون تردد، وكأنه كان يتدرب مبكرًا على درس أكبر سيأتي بعد سنوات فوق مياه القناة.
هزيمة يونيو 1967 مرت على كثيرين ككارثة، لكنها مرت على أحمد حمدي كجرح مفتوح لا بد أن يُشفى بالعمل لا بالبكاء. لم يكن من أولئك الذين اكتفوا بلعن الهزيمة. انشغل بإعادة البناء، وإعادة التفكير، وإعادة تجهيز الأرض لمعركة يعرف يقينًا أنها قادمة. شارك في نسف مستودعات ومرافق حتى لا تقع في يد العدو، وأعاد تنظيم الدفاعات غرب القناة، وكأن الرجل كان يزرع بذور العبور وسط ركام الانكسار.
سنوات الاستنزاف صنعت داخل هذا القائد يقينًا جديدًا: لا نصر بلا هندسة، ولا عبور بلا عقل يعرف كيف يسبق الزمن. لذلك حين كُلّف عام 1971 بإعداد لواء الكباري وتجهيز وحدات العبور، لم يتعامل مع المهمة كإجراء روتيني، بل كمشروع حياة. أعاد تطوير أساليب إنشاء الكباري والمعابر، ونجح في اختصار الزمن المستحيل، حتى أصبحت العمليات التي كانت تحتاج أيامًا تُنجز في ساعات قليلة.
حرب أكتوبر لم تبدأ عنده بطلقة المدفع الأولى، بل بدأت قبلها بسنوات من التفكير والتجريب والتدريب. لذلك، حين اندفعت القوات المصرية نحو القناة، كان رجال المهندسين أول من واجه النار والمياه والطين والساتر الترابي. بينما كانت الطائرات تقصف، والمدفعية تمطر الأرض جحيمًا، كان أحمد حمدي يتنقل بين المعابر والكباري كأن الرصاص لا يعنيه.
لم يكن قائدًا يجلس خلف الخرائط. شيء داخله كان يرفض فكرة القيادة البعيدة. لذلك بقي بين جنوده، يراقب المعديات، ويطمئن على الكباري، ويتابع فتح الممرات في أصعب قطاعات الجيش الثالث. كل جندي هناك كان يشعر أن قائده لا يطلب منهم ما لا يفعله بنفسه.
لحظات العبور الأولى كانت أقرب إلى معجزة هندسية وعسكرية وإنسانية. الساتر الترابي الذي قيل يومًا إنه مستحيل الاختراق، تحول تحت أيدي رجال المهندسين إلى ممرات للحياة. الكباري الثقيلة بدأت تحمل الدبابات، والمعديات راحت تشق المياه تحت القصف، بينما كان أحمد حمدي يتحرك من نقطة إلى أخرى بعينين لا تعرفان التعب.
الرابع عشر من أكتوبر 1973 لم يكن يومًا عاديًا في حياة الرجل، ولا في ذاكرة مصر. كان القصف عنيفًا، والكوبري الذي يعمل عليه تعرض لأضرار خطيرة، لكن القائد رفض الابتعاد. اقترب أكثر من رجاله، وأكثر من الخطر، وكأن روحه كانت تعرف أن النهاية اقتربت. شظايا قاتلة أصابته وهو يباشر إصلاح الكوبري بنفسه، ليسقط شهيدًا كما عاش دائمًا… في الصفوف الأولى.
استشهاد أحمد حمدي لم يكن مجرد فقدان قائد عسكري بارز، بل كان لحظة اكتشفت فيها مصر معنى القائد الحقيقي. رجلٌ لم يكتف بإصدار الأوامر، بل حمل الوطن فوق كتفيه، ومشى به وسط النار حتى عبر.
بعد الحرب، حاولت مصر أن ترد للرجل بعض جميله. أطلقت اسمه على النفق الذي يصل سيناء بالسويس، وعلى مدارس وشوارع ودفعات عسكرية، ومنحته نجمة سيناء من الطبقة الأولى. لكن الحقيقة أن كل هذه التكريمات، رغم قيمتها، تبدو أقل كثيرًا من سيرة رجل صار اسمه مرادفًا لفكرة العبور نفسها.
تبقى حكاية أحمد حمدي واحدة من أجمل ما أنجبته العسكرية المصرية: عقل مهندس، وقلب مقاتل، وروح شهيد. وحين يمر المصريون اليوم عبر النفق الذي يحمل اسمه، ربما لا ينتبه كثيرون إلى أن الرجل الذي يعبرون فوق ذكراه، كان يومًا أحد الذين صنعوا لمصر طريقها إلى الكرامة.







