
“من سيداو إلى إعادة تشكيل الأسرة المسلمة”
لم تعد قضية “قانون الأحوال الشخصية” مجرد نقاش قانوني يتعلق بالزواج والطلاق والنفقة والحضانة، بل أصبحت في العقود الأخيرة واحدة من أخطر ساحات الصراع الحضاري والفكري في العالم الإسلامي.
فالقضية تجاوزت حدود المحاكم والمواد القانونية، وأصبحت مرتبطة بإعادة تعريف الأسرة، وتحديد شكل العلاقة بين الرجل والمرأة، ورسم طبيعة المجتمع الذي يُراد بناؤه في المستقبل.
ولهذا فإن فهم التحولات التي طرأت على قوانين الأحوال الشخصية في العالم العربي والإسلامي لا يمكن فصله عن السياق العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، ولا عن صعود المرجعيات الدولية التي بدأت تتدخل تدريجيًا في القضايا الاجتماعية والثقافية والأسرية، وفي مقدمة هذه المرجعيات اتفاقية Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination Against Women المعروفة باسم “سيداو”.
لقد تحولت هذه الاتفاقية مع مرور الزمن إلى مرجعية ضاغطة لإعادة صياغة كثير من القوانين المتعلقة بالأسرة في الدول الإسلامية، وأصبحت جزءًا من مشروع عالمي أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل القيم والأدوار الاجتماعية وفق الرؤية الغربية الحديثة للإنسان والأسرة والحياة.
والإشكالية هنا ليست في الدعوة إلى العدالة أو رفع الظلم عن المرأة، فالإسلام أصلًا سبق جميع الأنظمة الأرضية في تقرير حقوق المرأة الإنسانية والمالية والاجتماعية، وإنما الإشكالية في الخلفية الفكرية التي تنطلق منها كثير من التفسيرات المرتبطة بهذه الاتفاقيات، وفي الطريقة التي يجري بها نقل النموذج الغربي إلى المجتمعات الإسلامية دون مراعاة للعقيدة والفطرة والبنية الحضارية المختلفة.
فالإسلام ينظر إلى الأسرة باعتبارها نواة المجتمع وأساس العمران الإنساني، ويرى أن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة صراع على السلطة أو النفوذ، وإنما علاقة تكامل ورحمة ومسؤولية مشتركة.
قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
فمفهوم الأسرة في الإسلام ليس مجرد شراكة مدنية مؤقتة، بل هو ميثاق غليظ يقوم على: السكن، والمودة، والرحمة، وتحمل المسؤولية،
وبناء الأجيال، وحفظ الفطرة،
واستقرار المجتمع. ولهذا جاءت التشريعات الإسلامية المتعلقة بالأسرة ضمن منظومة متكاملة تراعي: طبيعة الرجل، وطبيعة المرأة، واحتياجات الطفل، واستقرار المجتمع، وتحقيق العدل الحقيقي بين الجميع.
أما الرؤية الحداثية الغربية المعاصرة، والتي تؤثر بقوة في تفسير اتفاقية سيداو، فإنها تنطلق غالبًا من فلسفة مختلفة تمامًا، تقوم على:
الفردية المطلقة، وإزالة الفوارق الجندرية، واعتبار أي اختلاف في الأدوار شكلًا من أشكال التمييز، وتقديم استقلال الفرد على استقرار الأسرة.
ومن هنا بدأ التصادم بين المرجعية الإسلامية والرؤية الغربية الحديثة للأسرة.
ففي حين يرى الإسلام أن اختلاف الأدوار لا يعني ظلمًا أو انتقاصًا، بل يعني تكاملًا يتناسب مع الفطرة والتكوين، تتجه بعض التيارات الغربية إلى اعتبار كل تمييز في المسؤوليات أو الوظائف داخل الأسرة نوعًا من “الهيمنة” التي يجب إزالتها.
ولهذا لم تعد القضية مقتصرة على المطالبة بحقوق عادلة للمرأة، بل تحولت تدريجيًا إلى محاولة لإعادة تعريف: القوامة، والولاية، والأبوة، والأمومة،
والزواج، والأسرة نفسها.
ومع مرور الوقت بدأت هذه الرؤية تنتقل إلى العالم الإسلامي عبر عدة مسارات متوازية.
فمن جهة مارست المؤسسات الدولية ضغوطًا قانونية وسياسية على الدول الإسلامية لتعديل قوانينها الأسرية بما يتوافق مع المرجعيات الدولية الحديثة، وأصبحت كثير من التقارير الدولية تقيس “مدى تقدم” الدول بمدى اقترابها من النموذج الغربي في قوانين الأسرة والعلاقات الاجتماعية.
ومن جهة أخرى لعب الإعلام والدراما والثقافة دورًا هائلًا في إعادة تشكيل الوعي المجتمعي، حيث جرى تصوير الأسرة التقليدية في كثير من الأعمال الفنية باعتبارها: بيئة قمع، أو رمزًا للتخلف، أو عائقًا أمام الحرية.
وفي المقابل جرى الترويج للنموذج الفردي المستقل بوصفه النموذج المثالي للحياة الحديثة.
ومع الوقت بدأ الرجل يُقدَّم في بعض الخطابات باعتباره:
متسلطًا، أو عنيفًا، أو عائقًا أمام “تحرر المرأة”، بينما جرى أحيانًا تصوير الأمومة نفسها باعتبارها عبئًا يحد من تحقيق الذات.
“هندسة القوانين”
ثم جاءت المرحلة الأخطر، وهي مرحلة إعادة هندسة القوانين. فبدأت تظهر تعديلات متتالية في قوانين الأحوال الشخصية في كثير من الدول الإسلامية، بعضها يعالج بالفعل مظالم حقيقية ومشكلات اجتماعية قائمة، لكن بعضها الآخر حمل نقلًا تدريجيًا للنموذج الغربي دون مراعاة خصوصية المجتمعات الإسلامية وطبيعتها القيمية والدينية.
ومع هذه التحولات بدأت تظهر آثار اجتماعية مقلقة، مثل: ارتفاع نسب الطلاق،
وتأخر الزواج، والعزوف عن تكوين الأسرة، وزيادة النزاعات القضائية بين الأزواج، وتحول الزواج من علاقة مودة وسكن إلى علاقة قانونية متوترة تقوم على الحسابات والصراعات.
بل إن بعض الشباب أصبح ينظر إلى الزواج باعتباره “مخاطرة قانونية” أكثر منه مشروع استقرار وبناء حياة.
وهنا تبرز قضية شديدة الخطورة، وهي أن تفكيك الأسرة لا يحدث عادة عبر قرار مباشر يعلن الحرب عليها، وإنما يحدث تدريجيًا عبر:
تغيير المفاهيم، وإضعاف القيم، وإعادة تعريف الأدوار،
وتحويل العلاقات الإنسانية إلى صراعات حقوقية باردة.
فحين تُضرب قيمة القوامة باعتبارها مسؤولية ورعاية، وتُقدَّم فقط باعتبارها “هيمنة”، وحين تتحول العلاقة داخل البيت إلى معركة صلاحيات، وحين يُفقد معنى التضحية والصبر والتكامل، تبدأ الأسرة في التفكك تدريجيًا حتى وإن بقي الشكل القانوني قائمًا.
والمفارقة أن كثيرًا من المجتمعات الغربية نفسها بدأت تعاني اليوم من آثار هذا النموذج، حيث ارتفعت: نسب الطلاق، ومعدلات العزلة، والانهيار الأسري، والعلاقات غير المستقرة، وانخفضت معدلات الإنجاب والزواج بشكل غير مسبوق.
حتى إن عددًا من المفكرين الغربيين أنفسهم بدأوا يحذرون من انهيار مؤسسة الأسرة باعتبارها آخر حصون الاستقرار الاجتماعي.
لكن في المقابل، فإن الحديث عن خطورة بعض التوجهات المرتبطة بسيداو أو بالقوانين الحديثة لا يعني أبدًا تبرير الظلم الواقع على المرأة، ولا السكوت عن سوء التطبيق أو الأعراف الفاسدة أو التعسف باسم الدين.
فالمجتمعات الإسلامية تعاني فعلًا من: ظلم اجتماعي، وأخطاء تربوية، وسوء فهم لبعض الأحكام، وتعقيدات قانونية، وممارسات تخالف روح الشريعة وعدلها.
لكن الفرق كبير بين: الإصلاح المنطلق من المرجعية الإسلامية والفطرة، وبين:
استنساخ النموذج الغربي بحذافيره.
فالإسلام لا يقدم نموذجًا يقوم على قهر المرأة، كما لا يقدم نموذجًا يقوم على الصراع النسوي، وإنما يقدم نموذجًا يقوم على: العدل،
والرحمة، والتكامل، وتحمل المسؤولية، وحفظ الأسرة باعتبارها أساس المجتمع.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“خيركم خيركم لأهله”.وقال صلى الله عليه وسلم: “استوصوا بالنساء خيرًا”.
وفي الوقت نفسه حمّل الإسلام الرجل مسؤولية:
النفقة، والرعاية، والحماية،
وتحمل أعباء الأسرة.
فالعلاقة في الإسلام ليست حربًا بين الرجل والمرأة، وإنما شراكة لبناء الحياة واستقرار المجتمع.
ولهذا فإن أزمة الأسرة اليوم أعمق بكثير من مجرد مواد قانونية، فهي أزمة: وعي،
وتربية، وثقافة، وإعلام، واقتصاد، وقيم، ونمط حياة.
فلا يمكن حماية الأسرة فقط عبر المحاكم والقوانين، بل عبر: بناء الوعي الإيماني، وتأهيل الشباب للزواج،
وإحياء قيمة الرحمة والتكامل، وتحقيق العدالة الحقيقية للطرفين، وحماية المجتمع من النموذج الاستهلاكي الفرداني الذي يحول الإنسان إلى كائن معزول لا تحكمه إلا الرغبات والمصالح المؤقتة.
وفي النهاية تبقى قضية الأحوال الشخصية واحدة من أخطر القضايا التي تواجه العالم الإسلامي اليوم، لأنها ليست مجرد قضية قانونية، بل قضية تتعلق بهوية الأمة ومستقبلها وشكل الإنسان الذي تريد بناءه. والتحدي الحقيقي ليس في رفض كل جديد، ولا في الذوبان الكامل في النموذج الغربي، وإنما في القدرة على بناء نموذج إسلامي عادل ومتوازن: يحفظ المرأة، ويحفظ الرجل، ويحفظ الطفل، ويحفظ الأسرة، ويحفظ المجتمع، دون ظلم أو تفكيك أو فقدان للهوية والفطرة.





