في ذكرى ميلاده.. أحمد حمدي مهندس كباري أكتوبر وبطل العبور الذي استشهد بين جنوده

في ذكرى ميلاده، تحل سيرة الشهيد اللواء المهندس أحمد حمدي، أحد أبرز أبطال سلاح المهندسين في حرب أكتوبر 1973، وقائد وحدات الكباري التي أسهمت في تمكين القوات المصرية من عبور قناة السويس، لتبقى قصته واحدة من العلامات البارزة في سجل الفداء العسكري المصري.
ولد أحمد حمدي في 20 مايو 1929 بمدينة المنصورة، وتخرج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1951، قسم الميكانيكا، قبل أن يلتحق بالخدمة في القوات الجوية في 18 أغسطس من العام نفسه، ثم نُقل إلى سلاح المهندسين عام 1954.
مسيرة عسكرية حافلة بالتفوق
حصل الشهيد أحمد حمدي على دبلوم الدراسات الميكانيكية من جامعة القاهرة عام 1957، ثم نال دورة القادة والأركان من أكاديمية فرونز العسكرية بالاتحاد السوفيتي بتقدير امتياز عام 1961، كما حصل على دورة الأركان الكاملة والدورة الاستراتيجية التعبوية بأكاديمية ناصر العسكرية بدرجة امتياز.
تدرج أحمد حمدي في الرتب والمناصب العسكرية حتى وصل إلى رتبة لواء، وشارك في حروب 1956، والاستنزاف، وأكتوبر، واشتهر بين زملائه وقادته بنبوغه الهندسي والعسكري، إذ جمع بين المعرفة الفنية والخبرة الميدانية والقدرة على اتخاذ القرار في أصعب الظروف.
«اليد النقية» وبطولات ما قبل أكتوبر
لم يكن لقب «اليد النقية» الذي ارتبط باسم أحمد حمدي مجرد وصف عابر، فقد عُرف بقدرته الفائقة على التعامل مع الألغام والمتفجرات، وكان صاحب دور بارز في إبطال أكثر من 2200 لغم في صحارى مطروح.
وخلال العدوان الثلاثي عام 1956، كان له دور مهم في تفجير كوبري الفردان لمنع قوات العدو من استخدامه في التقدم، كما أسهم خلال حرب يونيو 1967 في التخطيط والتجهيز الهندسي لمنطقة سيناء، وكان وقتها نائبًا لرئيس الفرع الهندسي بالمنطقة الشرقية.
وبعد صدور أوامر الانسحاب في يونيو 1967، شارك في تنفيذ مهام شديدة الخطورة، بينها نسف المستودع الرئيسي للقوات المسلحة في سيناء، ونسف خط أنابيب المياه الممتد من الإسماعيلية إلى عمق سيناء، حتى لا يستفيد منه العدو، إلى جانب سحب بعض المهمات من الشاطئ الشرقي للقناة وإعادة تنظيم الدفاعات غرب القناة.
فكرة الكباري التي مهّدت للعبور
في عام 1971، كُلف أحمد حمدي بإعداد لواء كباري جديد كامل، وتشكيل وحداته وتدريبها لتأمين عبور الجيش الثالث الميداني، واستكمال معدات ومهمات العبور، وتجهيز مناطق تمركزها على طول قناة السويس.
كان له فضل كبير في تطوير أساليب إنشاء المعابر والكباري، وتحويل ساحات ومنازل إسقاط مهمات العبور من عمليات كانت تستغرق وقتًا طويلًا إلى كباري اقتحام يمكن إنشاؤها خلال ساعات، بما يتناسب مع خطة العبور ومتطلبات المعركة.
ومع انطلاق حرب أكتوبر، عبرت قوات المهندسين العسكريين إلى القناة في الموجات الأولى، وبدأت العمل على فتح الممرات في الساتر الترابي وتجهيز المعابر، بينما كان أحمد حمدي في الخطوط الأمامية بين جنوده، يتنقل من معبر إلى آخر للاطمئنان على تشغيل الكباري والمعديات تحت القصف الجوي والمدفعي.
بين جنوده حتى اللحظة الأخيرة
في قطاع الجيش الثالث، واجهت عملية فتح الممرات وإنشاء الكباري صعوبات كبيرة بسبب القصف المكثف وصلابة الساتر الترابي، إلا أن وحدات المهندسين واصلت العمل حتى تمكنت من إنشاء الكباري والمعديات التي سمحت بعبور المعدات والأسلحة الثقيلة في توقيتات حاسمة.
أشرف اللواء أحمد حمدي على إنشاء عدد من الكباري الثقيلة وكباري المشاة والمعديات، وكان وجوده الميداني وسط رجاله عاملًا مهمًا في رفع الروح المعنوية وتذليل العقبات الفنية والقتالية التي واجهت عمليات العبور.
استشهاد بطل في ميدان المعركة
في 14 أكتوبر 1973، وأثناء مشاركته في إصلاح أحد الكباري في نطاق الجيش الثالث، استشهد اللواء المهندس أحمد حمدي بعد إصابته بشظايا قاتلة، بينما كان يباشر العمل إلى جوار جنوده لإعادة تشغيل الكوبري واستكمال مهام العبور.
جسّد استشهاده صورة القائد الذي لم يكتف بإصدار التعليمات من موقع القيادة، بل اختار أن يكون في قلب المعركة، بين رجاله، مشاركًا في العمل والخطر، حتى لقي ربه فداءً لمعركة العبور.
تكريم يليق بسيرته
كرمت القوات المسلحة الشهيد أحمد حمدي بإطلاق اسمه على أول دفعة تخرجت في الكلية الحربية بعد حرب أكتوبر، كما مُنح نجمة سيناء من الطبقة الأولى تقديرًا لبطولاته وتضحياته.
وأُطلق اسمه على نفق الشهيد أحمد حمدي الذي يربط سيناء بالسويس، وعلى مدرسة في مسقط رأسه بالمنصورة، وعدد من الشوارع في مدن مصرية، كما اعتبرت نقابة المهندسين يوم استشهاده يومًا للمهندس.
وتبقى سيرة أحمد حمدي جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية، شاهدة على دور سلاح المهندسين في معركة أكتوبر، وعلى نموذج القائد الذي ربط العلم بالشجاعة، والتخطيط بالتضحية، حتى صار اسمه عنوانًا للعبور والفداء.







