ذاكرة التاريخملفات وتقارير

من ذاكرة التاريخ.. قصة الطالب الذي أعلن “جمهورية زفتى” ونصب نفسه أول رئيس في مصر

يرتبط لفظ “رئيس الجمهورية” في أذهان المصريين بأسماء القادة العسكريين والسياسيين الذين تعاقبوا على حكم البلاد منذ منتصف القرن العشرين، لكن كتل التاريخ المنسية تخبئ بين طياتها مفاجأة مذهلة تشير إلى أن أول رئيس جمهورية في مصر كان طالباً حقوقياً وثائراً شاباً يُدعى يوسف الجندي. ففي خضم أحداث ثورة ألف وتسعمائة وتسعة عشر ميلادية، لم يكتفِ أبناء مدينة “زفتى” بمحافظة الغربية بالهتاف والتظاهر، بل فكروا خارج الأطر التقليدية للنضال، وكتبوا فصلاً درامياً فريداً حين أعلنوا انفصال مدينتهم عن المملكة المصرية الواقعة تحت الحماية البريطانية، وميلاد “جمهورية زفتى” كدولة مستقلة ذات سيادة ليكون الجندي رئيسها الأول والأسبق.

مقهى “مستوكلي” ولبنات التأسيس السريع للدولة الوليدة

بدأت الملحمة في الثامن عشر من شهر مارس لعام ألف وتسعمائة وتسعة عشر، عقب قيام سلطات الاحتلال البريطاني بنفي زعيم الأمة سعد زغلول ورفاقه، حيث قاد الطالب يوسف الجندي مسيرة ضمت الطلبة والعمال والفلاحين، واتخذوا من مقهى يوناني شهير يُدعى “مستوكلي” مقراً لقيادة الثورة وإدارة شؤون الجمهورية الجديدة. ونجح المجلس الثوري في السيطرة على مركز الشرطة عقب تعاطف المأمور الضابط إسماعيل حمد مع الحركة، وتم تأمين الغذاء بالاستيلاء على عربات السكك الحديدية المحملة بالقمح، بل وأصدر الثوار صحيفة ناطقة باسم دولتهم من مطبعة محلية، وشكلوا لجنة أمنية مسلحة لحماية الحدود الإدارية لجمهوريتهم من أي تدخل خارجي.

خديعة “الوشاة” ونهاية الجمهورية العشرية في مواجهة الأستراليين

تجاوزت أصداء “جمهورية زفتى” حدود الدلتا لتصل إلى الصحافة البريطانية في لندن، مما دفع بقيادة جيش الاحتلال لتسيير فرقة عسكرية أسترالية مدججة بالسلاح لإخضاع المدينة المتمردة، فتصدى الأهالي لها بحفر الخنادق وقطع خطوط الإمداد وقضبان السكك الحديدية. وعقب حصار خانق فرضته القوات المحتلة، دارت مفاوضات سياسية اشترط فيها الإنجليز تسليم عشرين رجلاً من المدينة لجلدهم علناً حفاظاً على هيبة الإمبراطورية، وهنا تجلت عبقرية اللجنة الثورية التي قررت تسليم عشرين رجلاً من “الجواسيس وعملاء الاحتلال والوشاة”، ليقوم الإنجليز بجلد عملائهم بأيديهم في مفارقة ساخرة، قبل أن تنتهي تجربة الجمهورية المستقلة في التاسع والعشرين من مارس عقب عشرة أيام من الصمود، مسطرة واحدة من أعظم قصص الدهاء والنضال الشعبي في التاريخ المصري الحديث.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى