
لم يكتفِ إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، باعتراض «أسطول الصمود العالمي» في المياه الدولية، ولا باختطاف مئات النشطاء والمتضامنين واقتيادهم بالقوة إلى ميناء أسدود… بل أراد أن يحوّل الإهانة نفسها إلى عرضٍ سياسي مصوَّر، وأن يجعل من إذلال البشر مشهدًا دعائيًا يتباهى به أمام جمهوره اليميني المتطرف.
المشهد الذي خرج من ميناء أسدود لم يكن مجرد إجراء أمني قاسٍ، بل كان أقرب إلى طقسٍ علني للإذلال الجماعي.
نشطاء مقيّدون، أيديهم مربوطة، بعضهم أُجبر على الركوع طويلًا ورؤوسهم منحنية إلى الأرض، بينما كان بن غفير يتجوّل بينهم رافعًا العلم الإسرائيلي، صارخًا بعبارات التهكم والاستفزاز، وكأنه لا يقف أمام متضامنين مدنيين جاؤوا بالمساعدات الإنسانية، بل أمام أسرى حرب في ساحة انتقام شخصية.
لم يكن ذلك تصرفًا منفلتًا من موظف متوتر… بل سلوكًا مقصودًا، موثقًا، ومعلنًا.
الرجل نفسه نشر المقاطع المصوّرة بفخر، بينما كانت مكبرات الصوت تبث النشيد الإسرائيلي فوق رؤوس النشطاء المقيدين، في مشهد أقرب إلى استعراض إذلال جماعي منه إلى أي إجراء قانوني أو أمني.
بن غفير لم يكتفِ بالتحريض اللفظي، بل ظهر في تسجيلات وهو يدفع رأس إحدى الناشطات إلى الأسفل بعدما هتفت “الحرية لفلسطين”، ثم راح يصرخ: “نحن أصحاب هذا المكان”… جملة تختصر عقلية استعمارية كاملة، ترى الأرض ملكية خاصة، وترى البشر مجرد كائنات يمكن كسر كرامتها أمام الكاميرات.
العالم لم يغضب فقط من الاعتقال… بل من الشماتة.
حتى داخل إسرائيل نفسها، خرجت أصوات تعتبر ما فعله بن غفير إضرارًا بصورة الدولة، بعدما تحولت المقاطع إلى فضيحة دبلوماسية عالمية، واستدعت عدة دول سفراء إسرائيل احتجاجًا على ما وصفته بالمعاملة “المهينة وغير الإنسانية” لمواطنيها.
لكن الحقيقة الأعمق أن بن غفير لم يكن يسيء إلى النشطاء وحدهم… بل كان يكشف الوجه الحقيقي للاحتلال بلا أقنعة.
ذلك الوجه الذي لا يرى في العمل الإنساني إلا تهديدًا، ولا يفهم التضامن إلا بوصفه جريمة تستحق العقاب والإذلال.
التقارير الحقوقية وشهادات المشاركين تحدثت عن معاملة قاسية ومهينة داخل أماكن الاحتجاز:
تقييد بالأربطة البلاستيكية لساعات طويلة، حرمان بعض المحتجزين من النوم المريح، دفع وركل وإهانات لفظية، تصوير مهين للمعتقلين، واحتجاز في ظروف وصفها بعض المشاركين بأنها أقرب إلى “التعذيب النفسي المنظم”.
بعض النشطاء تحدثوا عن التجفاف ونقص المياه والطعام، وآخرون وصفوا الزنازين بأنها موبوءة بالحشرات، بينما تعمدت السلطات الإسرائيلية إظهار المعتقلين في أوضاع استسلام مهينة أمام الكاميرات، وكأن الهدف لم يكن تطبيق القانون… بل صناعة صورة انتصار نفسي على الضمير الإنساني نفسه.
الأخطر من كل ذلك، أن بن غفير أعلن صراحةً أنه “فخور” بمعاملة النشطاء كما لو كانوا “إرهابيين”، في اعتراف سياسي وأخلاقي يكشف كيف انتقلت إسرائيل، في ظل هذا التيار المتطرف، من دولة تدّعي احترام القانون، إلى سلطة تمارس الانتقام العلني بوصفه سياسة رسمية.
ما جرى لم يكن حادثًا منفصلًا عن سياق الاحتلال، بل امتداد طبيعي لعقلية ترى الفلسطيني وكل من يتضامن معه مشروعَ إهانةٍ مباح.
وحين يصبح وزير الأمن نفسه هو من يقود مشهد الإذلال، فذلك يعني أن التطرف لم يعد هامشًا في إسرائيل… بل صار يجلس على مقاعد الحكم.
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لم تُكتب كشعرٍ معلق على الجدران.
المادة 87 تكفل حرية الملاحة في أعالي البحار، والمادة 89 تمنع أي دولة من فرض سيادتها على تلك المياه.
وحين تعترض قوة عسكرية سفنًا مدنية خارج مياهها الإقليمية، وتحتجز ركابها بالقوة، فإننا لا نكون أمام “حق دفاع”، بل أمام عدوان مكتمل الأركان.
اتفاقيات جنيف أيضًا لم تترك الأمر غامضًا.
المادة 33 من الاتفاقية الرابعة تحظر العقوبات الجماعية وأعمال الترويع بحق المدنيين، بينما تُلزم المادة الأولى المشتركة كل الأطراف باحترام القانون الإنساني وضمان احترامه.
لكن المأساة أن إسرائيل لا تتصرف كدولة فوق القانون فقط، بل كدولة تملك ضمانة ضمنية بأن القانون لن يقترب منها.
العالم الذي يرتجف إذا تعطلت سفينة تجارية في أحد المضائق، وقف بارد الأعصاب أمام اختطاف سفن مساعدات إنسانية في عرض البحر.
ذلك الصمت لم يعد حيادًا… بل صار شراكةً صامتة في الجريمة.
غزة اليوم لم تعد مجرد بقعة جغرافية محاصرة، بل تحولت إلى مرآة أخلاقية للعالم كله.
هناك، في تلك المساحة الصغيرة المكتظة بالجوع والركام، تُختبر قيمة الإنسان، ويُقاس صدق الشعارات الكبرى عن العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي.
الحصار الطويل لم يعد مجرد إجراء سياسي، بل محاولة منظمة لترويض شعب كامل بالتجويع والإرهاق والانكسار.
لهذا كانت قوافل البحر مؤلمة للاحتلال… لأنها جاءت لتكسر المعنى النفسي للحصار قبل أن تكسر الحصار نفسه.
الذين أبحروا نحو غزة كانوا أكثر حرية من حكومات كاملة.
لم تجمعهم لغة واحدة، ولا قومية واحدة، لكن جمعتهم فكرة بسيطة ونبيلة: أن الطفل الفلسطيني ليس أقل إنسانية من أطفال العالم، وأن الموت جوعًا ليس قدرًا يجب التعايش معه.
أخطر ما فعلته إسرائيل ليس اعتراض السفن فقط، بل محاولتها قتل الفكرة التي تحملها تلك السفن: فكرة أن العالم ما زال قادرًا على التعاطف، وأن الشعوب تستطيع أن تسبق الحكومات في الدفاع عن العدالة.
لذلك لن تنجح القوة العسكرية في هزيمة «أسطول الصمود»، حتى لو احتجزت السفن واعتقلت النشطاء.
لأن السفن لم تكن تحمل مساعدات فقط… كانت تحمل إدانة أخلاقية كاملة لعصرٍ عربي ودولي مرتبك.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا خوف، أن استمرار حصار غزة لم يعد خطرًا على الفلسطينيين وحدهم، بل صار خطرًا على معنى القانون نفسه.
فالقانون الذي يُطبق انتقائيًا، يفقد هيبته… والعدالة التي تُجزّأ سياسيًا، تتحول إلى امتياز لا إلى حق.
لذلك سيبقى مشهد السفن الصغيرة أكبر من كل البوارج التي اعترضتها.
سيبقى أولئك النشطاء، بأيديهم العارية، أكثر قوةً من آلة عسكرية كاملة، لأن الإنسان حين يتحرك بدافع الرحمة يصبح أقوى من الخوف.
وربما لهذا السبب تحديدًا ارتبكت إسرائيل…
فالاحتلال يعرف جيدًا أن أخطر ما يمكن أن يواجهه ليس السلاح، بل لحظة استيقاظ الضمير الإنساني.
البحر الذي شهد عملية الاختطاف… شهد أيضًا سقوط قناع آخر عن إسرائيل.
سقط قناع “الديمقراطية الوحيدة”، وظهر وجه أكثر عريًا وقسوة:
وجه سلطةٍ لم تعد تكتفي بحصار غزة… بل تريد إذلال كل من يحاول أن يقول لأطفالها: أنتم لستم وحدكم.







