مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب : أميركا تُطوّق لبنان سياسيًا وأمنيًا

لم تعد العقوبات الأميركية الأخيرة مجرد إجراء مالي أو رسالة سياسية عابرة. ما يجري يتجاوز بكثير إطار الضغط التقليدي على حزب الله، ويتجه نحو محاولة إعادة رسم التوازنات الداخلية اللبنانية عبر إخضاع البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بالثنائية الشيعية، وتحديداً محيط رئيس مجلس النواب نبيه بري.

الإدارة الأميركية تدرك جيداً أن حزب الله ليس مجرد تنظيم عسكري يمكن عزله بالعقوبات المالية أو بالاستهداف العسكري الإسرائيلي. الحزب أصبح جزءاً من بنية لبنانية متشابكة، تتداخل فيها السياسة بالأمن بالإدارة، ما يعني أن أي محاولة لإضعافه تمر حكماً عبر تفكيك الشبكات الحامية له داخل الدولة اللبنانية.

العقوبات الأخيرة مختلفة في طبيعتها ودلالاتها

من هنا، تبدو العقوبات الأخيرة مختلفة في طبيعتها ودلالاتها. استهداف رئيس مكتب مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية العقيد سامر حمادة، إلى جانب شخصيات مرتبطة بـ حركة أمل والأمن العام اللبناني، ليس تفصيلاً تقنياً. إنها رسالة مباشرة بأن واشنطن باتت تعتبر أن جزءاً من الأجهزة والمؤسسات الرسمية اللبنانية يقع ضمن “منطقة النفوذ الشيعي”، وأن المطلوب عملياً هو إعادة ضبط هذا النفوذ أو محاصرته.

اللافت أن العقوبات لم تستهدف شخصيات مالية أو تجارية فقط، بل اقتربت من الحلقة الأمنية الحساسة. وهذا يعني أن واشنطن لم تعد تكتفي بمراقبة الدولة اللبنانية، بل تسعى إلى الإمساك التدريجي بمفاصلها الأمنية، أو على الأقل فرض معادلة خوف داخلها تجعل أي تقاطع مع حزب الله أو حركة أمل مكلفاً شخصياً ومؤسساتياً.

النموذج العراقي بعد عام 2003

هنا تحديداً، يعود إلى الواجهة النموذج العراقي بعد عام 2003. يومها، رفعت الولايات المتحدة شعار “اجتثاث البعث”، لكنه تحول عملياً إلى عملية إعادة هندسة شاملة للمؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية، عبر تفكيك مراكز القوة القديمة وإعادة إنتاج منظومة جديدة أكثر التصاقاً بالمشروع الأميركي.

في لبنان، لا يبدو المشهد بعيداً بالكامل عن هذه المقاربة، وإن بأدوات مختلفة. فواشنطن تعرف أن المواجهة المباشرة مع حزب الله محفوفة بالمخاطر، وأن إسقاطه عسكرياً ليس أمراً واقعياً في المدى المنظور. لذلك يجري العمل على استراتيجية أكثر هدوءاً وأشد خطورة: محاصرة البيئة الحامية له داخل مؤسسات الدولة، وإخضاع الأجهزة الأمنية تدريجياً لمنطق الرقابة الأميركية السياسية والمالية.

الرسالة الأخطر إلى نبيه بري

أما الرسالة الأخطر، فهي تلك الموجهة إلى نبيه بري شخصياً. فاستهداف شخصيات قريبة من حركة أمل ومن مفاصل أمنية حساسة يحمل معنى واضحاً: بري لم يعد خارج دائرة الضغط، والحصانة التقليدية التي تمتّع بها طوال عقود لم تعد ثابتة كما كانت.

واشنطن تدرك أن بري يمثل أكثر من مجرد رئيس مجلس نواب. إنه صمام توازن داخلي، وقناة تواصل دائمة بين أطراف متناقضة، كما أنه يشكل الغطاء السياسي الأكثر مرونة داخل البيئة الشيعية. وبالتالي فإن إخضاعه أو إضعافه أو دفعه إلى إعادة التموضع، يفتح الباب أمام تعديل أوسع في البنية اللبنانية كلها.

مرحلة من الشلل الأمني والسياسي

لكن الخطورة الحقيقية تكمن في أن الضغط الأميركي المتصاعد قد يدفع لبنان إلى مرحلة من الشلل الأمني والسياسي. فحين تبدأ الأجهزة بالعمل تحت هاجس العقوبات، تصبح الأولوية حماية الذات لا حماية الدولة. وعندما تتحول المؤسسات إلى ساحات خوف وترقب، يصبح الانقسام الداخلي أكثر حدة، وتصبح البلاد أكثر هشاشة أمام أي انفجار إقليمي أو داخلي.

لبنان يقف اليوم أمام مرحلة مختلفة تماماً. لم تعد المسألة عقوبات على أفراد، بل محاولة إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة نفسها، تحت عنوان محاربة النفوذ الإيراني، تماماً كما أُعيد تشكيل العراق سابقاً تحت شعار اجتثاث البعث.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى