الدكتور أيمن نور يكتب: رساله للعقلاء.. ماذا يحدث في “بيت قرطام”؟

“بيت قرطام” في مواجهة عاصفة لا تشبه غيرها، وتعكس صراعًا قاسيًا بين منطق الدولة ومنطق الغلبة، بين هيبة القانون وسطوة القرار، بين نصوص الدستور وآلات الهدم التي لا تُصغي إلا لصوت الانتقام الانتقائي.
قضيه بيت المهندس “أكمل قرطام “
ليست قضية مبنى مخالف” ولا تعدٍّ على أرض عامة، بل هي قضية “عادلة” لعقار مرخّص منذ عام 1998، مقام على أرض ملكية “خاصة” خالصة، مسجلة قانونيًا، وثابتة الحدود والمعالم، ولا تقع أصلًا داخل مسار الممشى المقرر على أراضي الدولة. تلك ليست رواية عاطفية يطلقها صاحب عقار خوفًا من الإزالة، بل وقائع موثقة بأوراق التسجيل والترخيص والخرائط الرسمية.
الحكاية لم تبدأ بالمبنى الرئيسي، بل بدأت بإزالة منشأ فرعي مرخّص، مقام على أرض مسجلة منذ عام 1984، بعد صدور قرار يزعم ــ على غير الحقيقة ــ أن الأرض من أملاك الدولة. قرارٌ بدا وكأنه محاولة لخلق واقع جديد بالقوة، لا بالقانون. وحين تكشّفت التناقضات، لم تتراجع الجرافات، بل اتسعت الدائرة.
المفارقة التي تثير الريبة، أن الأراضي المخصصة أصلًا للممشى وفق قرار رئيس الجمهورية، والواقعة أمام الملكية الخاصة، جرى تجريفها وتركها، بينما تحركت العلامات والحدود فجأة ناحية الأرض الخاصة المسجلة. ثم جاءت الخطوة الأخطر: تحريك الحدود مرة أخرى، وتوسيع نطاق الممشى ليشمل أجزاء إضافية من الأرض الخاصة، ثم إصدار قرار جديد بنزع ملكية الأرض المقام عليها المبنى الرئيسي ذاته، وكأن المطلوب لم يكن تنفيذ مشروع عام بقدر ما كان البحث عن مبرر قانوني لاحق لقرار هدم سبق اتخاذه.
الدستور المصري لم يترك الملكية الخاصة نهبًا للتأويل أو المزاج الإداري. المادة (35) من الدستور تنص بوضوح لا يحتمل الالتباس على أن:
“الملكية الخاصة مصونة، ولا تُمس، ولا يُنزع منها إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدمًا وفقًا للقانون”.
ذلك النص لم يُكتب للزينة، ولم يُوضع في الدستور باعتباره عبارة إنشائية. النص الدستوري هنا هو تعاقد أخلاقي وقانوني بين الدولة والمواطن، جوهره أن القوة لا تعلو على الحق.
المادة ذاتها لم تكتفِ بحماية الملكية، بل وضعت شرطين بالغَي الخطورة:
أولًا: تحقق المنفعة العامة الحقيقية، لا الافتراضية أو القابلة للتعديل.
ثانيًا: الالتزام بالتعويض العادل المسبق، لا اللاحق، ولا الرمزي، ولا الذي يُفرض تحت ضغط الأمر الواقع.
القضاء الدستوري المصري استقر عبر أحكام متواترة على أن نزع الملكية إجراء استثنائي بالغ الخطورة، لا يجوز التوسع فيه أو استخدامه للتحايل على الحماية الدستورية للملكية الخاصة. كما أكدت المحكمة الدستورية العليا أن “المنفعة العامة” ليست عبارة مطاطة تُستخدم لإهدار الحقوق، بل ضرورة حقيقية لا بد أن تكون قائمة على مبررات موضوعية ومحددة، مع احترام مبدأ التناسب بين الغاية والوسيلة.
الأخطر في قصة “بيت قرطام”، أن صاحب الملكية أعلن ــ علنًا ــ استعداده للتبرع بالأرض المقام عليها المبنى، وكذلك الأرض الواقعة أمامه، خدمةً للمصلحة العامة، فقط مقابل عدم هدم المبنى نفسه. عرضٌ يكشف أن القضية لم تكن يومًا صراعًا على المال أو المساحة، بل صرخة دفاع عن معنى العدالة، وعن احترام القانون، وعن رفض أن يتحول الهدم إلى أداة إذلال أو استعراض قوة.
أي منطق إداري أو هندسي يمكن أن يرفض التبرع بالأرض ثم يُصرّ على هدم المبنى؟ وأي “منفعة عامة” تلك التي يصبح فيها الحفاظ على المبنى مستحيلًا رغم وجود بدائل تحفظ المشروع وتحفظ الملكية وتحفظ كرامة الدولة نفسها؟
القضية هنا لم تعد تخص المهندس أكمل قرطام وحده، بل تمسّ فكرة الأمن القانوني لأن الدولة التي تسمح بتحريك العلامات على الأرض قبل اكتمال إجراءات نزع الملكية، أو التي تستخدم قرارات لاحقة لتقنين أخطاء سابقة، تفتح بابًا بالغ الخطورة لفقدان الامان والثقه.
أعرف أكمل قرطام ليس فقط كرئيس لحزب المحافظين الذي احترمه بل اعرفه
رجلًا آمن بالدولة المدنية، ودافع عن الاستثمار الوطني، وشارك في الحياة العامة بعقل سياسي واقتصادي منفتح.
لذلك يبدو المشهد مؤلمًا ومثيرًا للأسئلة: كيف يتحول رجل قدّم الكثير لوطنه إلى طرف يطلب فقط احترام الدستور والقانون فلا يجد إلا الجرافات والعلامات الحمراء؟
لسنا ضد التطوير، ولا ضد المشروعات العامة، ولا ضد حق الدولة في البناء والتخطيط. لكن الدولة القوية ليست التي تهدم أكثر، بل التي تحترم القانون أكثر. وهيبة الدولة لا تُصنع بإزالة بيت، بل بصيانة حق.
ما يحدث في “بيت قرطام” قصة أكبر من مبنى بديع، وأخطر من قرار إزالة. قصة تختبر معنى الدولة وهل تبقى حارسًا للحق؟ أم تتحول ــ تحت ضغط التعجل أو النفوذ أو الحسابات الخفية ــ إلى خصم؟
رسالتي لمن يهمه
الأمر إلي العقلاء





