مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: إيران وحدود القوة الأمريكية.. حين يفشل التفوق العسكري في صناعة الهيمنة

في خضم التصعيد المتواصل المرتبط بالملف الإيراني، تبدو الولايات المتحدة، وخصوصاً إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump، أمام معادلة شديدة التعقيد، تتراوح بين خيارين كلاهما مكلف: إما الذهاب نحو جولة تصعيد جديدة قد تفتح الباب أمام تداعيات إقليمية ودولية أكثر خطورة على المصالح الأمريكية والغربية، أو الاتجاه نحو تسويق نتائج المواجهة سياسياً وإعلامياً باعتبارها “نجاحاً ردعياً”، رغم الإخفاق الواضح في تحقيق الأهداف الإستراتيجية المعلنة تجاه إيران.

السؤال المركزي هنا لا يتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة قد تعرضت لهزيمة عسكرية بالمعنى التقليدي، بل بما إذا كانت تواجه إخفاقاً إستراتيجياً يتمثل في عجزها عن فرض إرادتها السياسية والعسكرية على إيران، رغم امتلاكها تفوقاً هائلاً في التكنولوجيا العسكرية والقدرات الجوية والبحرية. فالهزيمة في هذا السياق لا تُقاس فقط بحجم الخسائر الميدانية، وإنما بمدى القدرة على تحقيق الأهداف السياسية النهائية للحرب أو الضغط العسكري.

وتستند هذه المقاربة إلى جملة من المعطيات السياسية والعسكرية المهمة.

أولاً، تختلف الحالة الإيرانية بصورة جوهرية عن تجارب Vietnam War والعراق وأفغانستان. ففي تلك الحالات تمكنت الولايات المتحدة من فرض وجود عسكري مباشر، والسيطرة على مراكز القرار والعواصم، وإنشاء سلطات محلية حليفة، ولو بصورة مؤقتة. أما في الحالة الإيرانية، فلم تتمكن واشنطن من فرض أي اختراق بري مباشر، سواء عبر تدخل عسكري واسع، أو من خلال قوى حليفة قادرة على تغيير المعادلة الداخلية. وقد بقيت إيران محافظة على تماسك مؤسساتها العسكرية والأمنية، رغم سنوات طويلة من العقوبات والضغوط والتهديدات.

ثانياً، اعتمدت المواجهة بصورة أساسية على القوة الجوية والصاروخية، في محاولة لإضعاف البنية العسكرية الإيرانية وشبكاتها الإستراتيجية. غير أن طبيعة العقيدة الدفاعية الإيرانية، القائمة على الانتشار اللامركزي والتحصينات العميقة والمنشآت العسكرية تحت الأرض، حدّت من قدرة الضربات الجوية على تحقيق نتائج حاسمة. فإيران عملت على مدى عقود على بناء بنية عسكرية معقدة داخل الجبال والأنفاق والمنشآت المحصنة، بما يضمن استمرارية قدراتها الصاروخية والمسيرة حتى في ظروف الحرب الواسعة.

ومن هنا يبرز استنتاج عسكري مهم، مفاده أن التفوق الجوي، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لحسم الصراعات الكبرى، خصوصاً في مواجهة دول تمتلك عمقاً جغرافياً وبنية عسكرية مرنة وقدرات ردع غير تقليدية. ولذلك فإن أي محاولة لفرض تغيير جذري في موازين القوة داخل إيران كانت ستتطلب تدخلاً برياً مباشراً، وهو خيار بالغ الكلفة سياسياً وعسكرياً وبشرياً، ليس فقط على الولايات المتحدة، بل على مجمل حلفائها في المنطقة.

أما البعد الثالث، فيتعلق بالموقع الجيوسياسي لإيران، والذي يمنحها أهمية إستراتيجية تتجاوز حدودها الوطنية. فإشرافها على Strait of Hormuz، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في حركة التجارة وأسواق الطاقة العالمية. وأي اضطراب واسع في هذه المنطقة قد ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد الدولية، بما يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي، ويُلحق أضراراً كبيرة بالاقتصادات الغربية قبل غيرها.

وفي سياق أوسع، لا يمكن فصل الصراع مع إيران عن التحولات البنيوية التي يشهدها النظام الدولي. فالعالم يعيش مرحلة انتقال تدريجي من هيمنة أحادية القطبية قادتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، نحو نظام دولي أكثر تعددية، تتصاعد فيه أدوار قوى شرقية وإقليمية جديدة على المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية. وفي هذا الإطار، تبدو المواجهة مع إيران جزءاً من صراع أوسع يتعلق بإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وليس مجرد نزاع إقليمي محدود.

وعليه، فإن تقييم نتائج المواجهة لا ينبغي أن يقتصر على الحسابات العسكرية المباشرة، بل يجب أن يشمل القدرة على تحقيق الأهداف السياسية بعيدة المدى، ومدى نجاح كل طرف في تثبيت معادلات الردع، والحفاظ على تماسكه الداخلي، وتعزيز موقعه ضمن التحولات الدولية الجارية. ومن هذا المنظور، تبدو إيران حتى الآن قادرة على منع خصومها من فرض معادلة الهيمنة الكاملة، وهو ما يجعل الصراع مفتوحاً على توازنات أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى