
وفقاً لأيّ حسابات عقلانية، يتوقّع أن ترجح كفّة الكوابح على كفّة المحفّزات، ما يعني أنّ حرباً جديدة على إيران تبدو مستبعدة، لكن من قال إنّ قرارات ترامب تستند إلى حسابات عقلانية رشيدة؟
بعد حربين على إيران، استمرّت الأولى 12 يوماً والثانية 40 يوماً، لم تحقّق أيّ منهما أيّاً من أهدافها المرجوّة، تعيش دول وشعوب المنطقة والعالم على وقع هدنة هشّة، جرت خلالها جولتان من مفاوضات غير مباشرة بوساطة باكستانية، وأتاحت أمام ترامب فرصة للقيام بزيارة مؤجّلة للصين، انتهزها لإجراء مشاورات حول الوضع المتأزم في مضيق هرمز.
ورغم إصرار باكستان على الإبقاء على الطريق الدبلوماسي مفتوحاً، لا تزال الأزمة مشتعلة من دون أن تلوح في الأفق بادرة توحي بقرب التوصّل إلى تسوية سياسية، ما يدفع البعض للاعتقاد أنّ استئناف الحرب على إيران بات حتمياً وربما وشيكاً، بينما يرى آخرون أنّ الكوابح التي تحول دون استئنافها لا تزال قوية وصامدة.
لم تكن إيران هي الطرف الذي بادر بشنّ أيّ من الحربين السابق الإشارة إليهما، وبالتالي فلن تكون هي الطرف المعني بإشعالها من جديد. وحين شنّت “إسرائيل” والولايات المتحدة حربهما الأولى على إيران في حزيران/يونيو الماضي، كان هدفهما المعلن آنذاك تدمير المنشآت النووية الإيرانية والقضاء بالتالي على برنامجها النووي مرة واحدة وإلى الأبد.
ولأنهما اكتشفا بعد انتهاء الحرب، أنّ الكمية التي تملكها إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، والتي لا تقلّ عن 450 كغم تكفي لانتاج ما يقرب من 10 قنابل نووية، لا تزال إما مدفونة تحت الأنقاض أو موجودة في مكان آخر نقلت إليه قبل الحرب أو بعدها، ما يعني أنّ قدرتها على تصنيع سلاح نووي لا تزال قائمة رغم الدمار الذي أصاب منشآتها النووية، قرّرتا شنّ حرب ثانية على إيران، لكنّ هدفهما المعلن هذه المرة كان إسقاط النظام الإيراني وربما تدمير الدولة الإيرانية ذاتها. ورغم أنّ حربهما الثانية على إيران استمرت 40 يوماً، وجرت خلالها محاولة فاشلة للاستيلاء على كمية اليورانيوم عالي التخصيب، إلا أنها أتت بنتائج معاكسة تماماً للأهداف المعلنة.
فرغم ما لحق بإيران من خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة، إلّا أنّ نظامها الحاكم لم يسقط وأصبح أقوى بكثير مما كان عليه قبل الحرب، والدولة الإيرانية لم تدمّر ولا تزال تملك من الموارد ما يتيح لها خوض حرب استنزاف طويلة الأمد رغم ما لحق بها من خسائر، واليورانيوم عالي التخصيب لا يزال داخل الأراضي الإيرانية رغم ما لحق بالمنشآت النووية من دمار، ما يعني أنّ النظام الإيراني المستهدف لم يصبح أقوى مما كان عليه فحسب وإنما أصبح لديه حافز إضافي لإنتاج السلاح النووي إذا اتخذ قراراً بذلك، والأهمّ من ذلك كله أنه أصبح يسيطر على مضيق هرمز، وبالتالي يملك القدرة على التأثير على النظام الاقتصادي العالمي برمّته، وهو ما لم يكن متاحاً له من قبل.
صحيح أنّ الولايات المتحدة ردّت على إغلاق المضيق بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، غير أنّ الخبرة المكتسبة من التعامل مع كلّ أنواع العقوبات التي فرضت عليها طوال ما يقرب من نصف قرن تمكّنها في الغالب من الإفلات من آثارها، ما يفسّر العودة إلى التلويح باستئناف الحرب علبها من جديد. فهل ستتمكّن الحرب الثالثة على إيران، في حال اندلاعها، من تحقيق ما عجزت عنه الحربان السابقتان؟.
تظهر أيّ مقارنة عابرة أنّ موازين القوى العسكرية بين الأطراف المتصارعة تميل بشكل حاسم لصالح الولايات المتحدة و”إسرائيل”. غير أنّ العبرة هنا لا تتعلّق بحجم ما يملكه أحد طرفي الصراع من تفوّق في قدراته العسكرية مقارنة بما يملكه الطرف الآخر، وإنما بقدرة كلّ منهما على توظيف ما يملك من عناصر القوة الشاملة لتحقيق الأهداف التي يسعى إليها.
ولأنّ الولايات المتحدة و”إسرائيل” بادرتا بشنّ الحرب مرتين على دولة تبعد عن الأولى ما يقرب من 12 ألف كم وعن الثانية ما يقرب من ألفي كم، وفشلتا في المرتين في تحقيق أهدافهما، فمن الواضح أنهما ستسعيان في حربهما الثالثة، إذا ما نشبت، لتدمير بنية إيران التحتية المدنية بما فيها منشآت استخراج وتوزيع الطاقة، وبالتالي فليس من المستبعد أن تردّ إيران باستهداف منشآت استخراج وتوزيع الطاقة في جميع دول الخليج، بما في ذلك السعودية وقطر أكبر مصدّرين للنفط والغاز في العالم، ما سيعرّض النظام الاقتصادي العالمي كلّه لأزمة كبرى، لا شكّ أنّ الخشية من عواقبها السيئة بالنسبة للعالم أجمع ستشكّل إحدى الكوابح الهامّة أمام استئناف الحرب.
نخلص من هذا الاستعراض الموجز لمسار الحرب على إيران، والذي وصل الآن إلى طريق مسدود، إلى أنّ استئنافها ليس قدراً محتوماً وإنما يتوقّف على عوامل كثيرة متضاربة، بعضها يعدّ محفّزات تغري بالعمل على استئنافها، على أمل أن تحقّق هذه المرة ما لم تتمكّن من تحقيقه في المرات السابقة، وبعضها الآخر يعدّ كوابح تدفع في الاتجاه المضادّ وبالتالي يقلّل من فرص اندلاع الحرب مرة أخرى.
المحفّزات كثيرة، أهمها:
1- وجود فجوة واسعة بين ما تعتبره الولايات المتحدة مطالب يتعيّن على إيران أن تستجيب لها كي تتجنّب شنّ الحرب عليها من جديد، وبين ما تعتبره إيران شروطاً يتعيّن على الولايات المتحدة الوفاء بها قبل استئناف المفاوضات من جديد.
مطالب الولايات المتحدة من إيران عديدة أهمها: تفكيك منشآتها النووية، عدم تخصيب اليورانيوم على أراضيها، تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، تقليص برنامجها الصاروخي إلى الحدّ الذي لا يشكّل تهديداً لأمن “إسرائيل”، والامتناع عن تزويد الفاعلين من غير الدول في المنطقة بالمال والسلاح.
أما شروط إيران للعودة إلى المفاوضات فهي عديدة أيضاً، أهمها: إنهاء الحرب على الجبهات كافة، خصوصاً على الجبهة اللبنانية، مع توفير ضمانات دولية مقنعة تحول دون استئناف الحرب من جديد، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة، مع تخفيف العقوبات المفروضة عليها تدريجياً، بالتوازي مع التقدّم في المفاوضات.
صحيح أنّ تصريحات ترامب في الآونة الأخيرة توحي بأنّ الهدف الرئيسي للولايات المتحدة بات ينحصر في ضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي في أيّ وقت، لكن لا يوجد ما يشير إلى أنه تخلّى نهائياً عن مطالبه الأخرى، خصوصاً ما يتعلّق منها ببرنامج إيران الصاروخي وعلاقات إيران الإقليمية.
2- العامل الإسرائيلي. فمن الواضح تماماً أنّ نتنياهو لن يقبل مطلقاً أن يقتصر الاتفاق الذي سيبرم مع إيران على برنامجها النووي ويصرّ على أن يتضمّن في الوقت نفسه برنامجها الصاروخي وعلاقاتها الإقليمية، وهو ما يستحيل عليها قبوله، ولذا لا يرى لهذه الأزمة من مخرج إلا بإسقاط النظام الإيراني حتى لو كان الثمن تدمير إيران الدولة والمجتمع.
وتتوافر أدلة كثيرة تثبت أنّ نتنياهو سعى دائماً إلى جرّ الولايات المتحدة للدخول في حرب مباشرة ضدّ إيران، وأنه حاول ذلك مع كلّ من كلينتون وأوباما وبايدن لكنه لم ينجح إلّا مع ترامب. ولأنّ كثيرين يعتقدون أنّ نتنياهو ما زال قادراً على التأثير على ترامب، رغم انكشاف خداعه له وتضليله المتعمّد إبان الحرب الثانية، لا يستبعدون أن يتمكّن من إقناعه مرة أخرى بأنّ استئناف الحرب على إيران أصبح الوسيلة المتاحة للتخلّص من نظام شرير حان الوقت للإجهاز عليه.
3- حاجة ترامب الماسّة إلى نصر كبير حاسم يوقف تراجع شعبيته ويساعد الحزب الجمهوري على خوض انتخابات التجديد النصفي للكونغرس بما يمكّنه من الاحتفاظ بالأغلبية في مجلسيه، وإلّا تحوّل إلى “بطة عرجاء” خلال الفترة المتبقّية من ولايته، وربما إلى محاكمته وبدء إجراءات تنحيته.
في مقابل المحفّزات لاستئناف الحرب على إيران، توجد كوابح كثيرة تدفع في اتجاه الحيلولة دون اندلاعها، أهمها:
1- التقديرات المتعلّقة بالنتائج المتوقّعة من حرب ثالثة على إيران، وكلّها تشير إلى صعوبة أن تنجح في تحقيق ما عجزت عنه حربان من قبل، خصوصاً وأنّ الفشل في تحقيق نصر حاسم فيها، كما يتوقّع أغلب المراقبين، ستترتّب عليه حتماً خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية التي يتمتع بها حالياً في الكونغرس، بكلّ ما سيترتّب عليه ذلك من كوارث محتملة سواء بالنسبة لشخص ترامب أو بالنسبة لقدرة إدارته على التعامل مع التحدّيات التي ستواجهها الولايات المتحدة خلال الفترة المتبقّية من ولايته.
2- شكوك متنامية حول طبيعة العلاقة التي تربط بين ترامب ونتنياهو في المرحلة الراهنة. إذ تشير تقارير عديدة إلى أنّ هذه العلاقة لم تعد على الدرجة نفسها من المتانة، وأنها ضعفت كثيرا بعد الحرب الثانية على إيران، التي استندت مشاركة الولايات المتحدة فيها على معلومات صمّمت لخدمة مصالح نتنياهو الشخصية، وليس بالضرورة لخدمة مصالح الولايات المتحدة التي يدّعي ترامب أنه يسعى لكي “تعود عظيمة مرة أخرى”.
وكان لافتاً ما صرّح به ترامب يوم الاثنين الماضي (18/5/2026)، حين أكد أنه أوقف عملية عسكرية كبيرة ضدّ إيران، كان من المقرّر أن تشنّ في اليوم التالي، بناء على طلب من أمير قطر وولي عهد السعودية ورئيس دولة الإمارات، وجد فيه كثيرون مؤشّراً على أنّ ترامب بدأ ينصت لحلفاء آخرين للولايات المتحدة في المنطقة، بعد أن كانت “إسرائيل” هي الأقرب إلى أذنيه!!
3- التأثيرات المحتملة للحرب على المصالح الأميركية مع دول الخليج العربية. فليس من المستبعد أن يؤدّي استئناف الحرب على إيران، بصرف النظر عن نتائجها العسكرية، إلى سلسلة من التفاعلات التي قد تفضي في النهاية ليس إلى سحب القواعد العسكرية الأميركية من هذه الدول فحسب وإنما إلى القضاء على المصالح الضخمة للشركات الأميركية فيها، خصوصاً إذا انتهت الحرب بتدمير مصادر الطاقة في المنطقة ككلّ.
وفقاً لأيّ حسابات عقلانية رشيدة، يتوقّع أن ترجح كفّة الكوابح على كفّة المحفّزات، ما يعني أنّ حرباً جديدة على إيران تبدو مستبعدة، لكن من قال إنّ قرارات ترامب تستند إلى حسابات عقلانية رشيدة؟ تلك إذاً هي المعضلة.







