
بين فيديو وكاميرا مراقبة عندما يصبح الأطفال وقودًا لحرب الوالدين تخيل أنك تستيقظ على فيديو مؤلم يهز مشاعرك أطفال في الشارع يبكون، يتوسلون لمن يسمعهم، بلا مأوى بعد أن طردهم والدهم، رغم أنه طبيب ميسور الحال.
بعد ساعات، تنتشر صورة الأم الحنونة التي هرعت لإنقاذهم من قسم الشرطة وسط دموع الفرح.
تكتمل الصورة النمطية في ذهنك أب قاسٍ، أم مكلومة، وأبرياء ضائعون.
ثم، وبفضل كاميرا مراقبة صامتة على عمارة أحد الجيران، تنكشف الحقيقة التي قلبت القصة رأسًا على عقب.
ما حدث فعلًا انه بعد الطلاق بالتراضي قبل ثلاث سنوات، حصلت الأم على الحضانة والتزم الأب (الطبيب) بدفع نفقة تفوق ما حكمت به المحكمة بأربعة أضعاف، وأمن لهم مسكنًا ملائمًا.
بعد عامين، قررت الأم الزواج مجددًا، وهو حق مشروع.
ولأن وجود الأطفال كان عقبة، تنازلت رسميًا عن حضانتهم في قسم الشرطة، فاستلمهم الأب.
الأب، المتزوج حديثًا أيضًا، لم يرمهم في الشارع.
اشترى شقة مجاورة لشقته، وأثثها لهم، وجلب لهم مربية تعتني بهم يوميًا، وزوجته قريبة للمساعدة.
اصطحبهم في رحلاته ومؤتمراته (آخرها كان قبل يومين فقط من الفيديو في العلمين).
بقيت الأم على تواصل معهم، تراهم وتخرج معهم متى شاءت.
هنا تبدأ المأساة الحقيقية مشروع زواج الأم فشل.
وجدت نفسها وحيدة، ومصاريفها بالكاد تكفيها، فاحتاجت لمصدر دخل مضمون شقة مجانية ونفقة شهرية من أب ميسور.
المشكلة أنها تنازلت رسميًا عن الأطفال.
فكان الحل: فيلم درامي استغلت زيارة الأطفال لجدهم، أخذتهم بعد المغرب، وبعد ساعتين فقط كانوا يصورون مقطع الاستغاثة المفجِع، زاعمين أنهم طُردوا للشارع.
انتشر الفيديو كالنار، وتعاطف الجميع، واستُدعيت الأم لاستلامهم رسميًا من القسم، وبذلك تعود الحضانة لها قانونيًا بضغط الرأي العام، وتبدأ رحلة المطالبات المالية من جديد.
لولا كاميرا المراقبة التي أظهرتها تأخذهم من بيت الجد بمزاجهم، قبل ساعات من تصوير الفيديو، لظل الأب مدانًا في محكمة السوشيال ميديا إلى الأبد.
ومن هنا يتضح أن محكمة السوشيال ميديا لا تُنصف أحدًا
لقد أصبحنا نتهافت على تصديق الفيديو المؤثر دون أدنى تفكير نقدي.
السبب بسيط الفيديو خاطب عواطفنا مباشرة.
أطفال يبكون = أطفال صادقون.
أم تبكي = ضحية ( ولكنها الشيطان في الحقيقة ).
هذه المعادلة المختزلة سمحت لقصة كاملة أن تُبنى على مشهد واحد مقتطع من سياقه.
الواقعة، بغض النظر عن تفاصيلها الدقيقة، تذكرنا بقاعدة ذهبية العاطفة وحدها ليست دليلًا، والفيديو الواحد لا يروي الحكاية كاملة.
يجب أن نقاوم إغراء أن نكون قضاةً بناءً على مقطع مدته دقيقتان.
أفدح خطأ في هذه القصة، أياً كان الطرف المخطئ، هو وضع الأطفال في خط النار فالأطفال ليسوا أدوات .
تحويلهم إلى ممثلين في دراما عائلية، أو تلقينهم اتهامات ضد والدهم، أو استخدامهم للحصول على مكاسب مالية وسكنية، هو عنف نفسي من الدرجة الأولى.
الطفل الذي يُطلب منه تشويه صورة والده أمام العالم، أو الذي يُجبر على التظاهر بالتشرد، يُزرع في داخله بذور الكذب، وقطع الرحم، وفقدان الأمان.
هؤلاء الأطفال هم الضحايا الحقيقيون الوحيدون، بغض النظر عمن ينتصر في حرب الروايات.
كلا الوالدين، لو كانا مدركين، لوجب عليهما حماية أبنائهما من أن يكونوا وقود هذه المعركة، لا أن يسلمهم أحدهما عود الثقاب.
من الخطير بنفس قدر القصة الأصلية أن نستخدم هذه الواقعة (أو غيرها) لتعميم صورة نمطية مفادها أن “كل النساء كاذبات” أو أن “كل المطلقات يلهثن وراء المال”.
تمامًا كما كان من الخطأ افتراض أن “كل أب غني هو بالضرورة ظالم”.
العبرة ليست في شيطنة طرف وملْأكة الطرف الآخر، بل في فهم أن الخلل أخلاقي وفردي، يزدهر في بيئة ثقافية وقانونية تسمح للطرفين بالتلاعب.
الخلل ليس في “النسوية” التي تبيح الحقوق، بل في غياب ضمير يمنع استغلال هذه الحقوق.
الخلل ليس في قانون يحمي الأم، بل في ثغرات تسمح بتحويل الحماية إلى سلاح ضاغط.
والإدانة الأخلاقية لأي طرف لا تبرر خطاب كراهية جماعي يحرّض على نصف المجتمع.
في نهاية هذه القصة المريرة، هناك ثلاثة أطفال تعلموا درسًا قاسيًا عن العالم في سن مبكرة.
تعلموا أن العلاقات يمكن أن تكون ساحة معركة، وأن الحب قد يكون مشروطًا بمكسب، وأن الحقيقة قابلة للتشكيل حسب الحاجة.
الأب، الذي ربما أخطأ في طريقة تعامله مع الأزمة، والأم، التي ربما انحرفت ببوصلة ضميرها تحت وطأة الحاجة، كلاهما سيواجهان عاقبة ما حدث.
لكن الخسارة الأكبر وقعت على من لم يكن لهم ذنب الأطفال.
ربما آن لنا أن نتعلم ألا ننخدع بالدموع دون دليل، وألا ننشر الاتهامات دون تحقق، والأهم، ألا نجعل من الأطفال ضحايا صامتين في حرب الكبار.
فالبيوت تُبنى على الحقيقة، لا على فيديو درامي، ولا على كاميرا مراقبة، بل على ضمير حي يخشى الله في الأبناء قبل كل شيء.
علي كل أم ان تفكر جيدا في مستقبل أولادها ومشاعرهم
“فقبل أن تنتصري في معركتكِ مع طليقكِ، انظري خلفكِ.. هل تحوّل طفلكِ إلى جنديٍ صغير يحمل جراح الحرب بدلًا من حلم الطفولة؟”
واعلمي جيدا “أن الدنيا دوّارة، والمال يفنى، والحقوق تُنسى.. لكن نظرة ابنكِ لكِ يوم يكبر ويعرف الحقيقة، إما أن تكون جنتكِ في الدنيا، أو نارًا لا تطفأ في قلبكِ.” .
“و لا تجعلي آخر ما يتذكره أبناؤكِ من طفولتهم، أنهم كانوا مجرد ‘أوراق ضغط’ في لعبة الكبار.”
“فمصلحتكِ قد تتغير، ونصركِ قد يضيع، لكن قلب طفلكِ الصغير لا يتحمل أن يكون ساحة معركة.
اكسري أي شيء في الحياة، إلا ضلوعه.”







