الدكتور أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب – سمير عبد الباقي – رحيل جيل

أخبار الرحيل لا تصلني أبدًا كخبر عابر. بعضها يأتي كأن أحدهم فتح فجأة نافذة قديمة في الذاكرة، فتندفع منها وجوه وأصوات وروائح وأماكن حسبنا أنها نامت إلى الأبد. وحين جاءني خبر رحيل الشاعر الكبير سمير عبد الباقي، شعرت أن مصر القديمة نفسها تنكمش قليلًا… وأن زمنًا كاملًا يغادر بهدوء موجع، لا يشبه الضجيج الذي نعيشه، بل يشبه انطفاء مصباح زيت في بيت ريفي قديم على ضفة النيل.
سمير عبد الباقي، المولود في الخامس عشر من مارس عام 1939 بميت سلسيل في محافظة الدقهلية، لم يكن مجرد شاعر عامية أو مثقف يساري عابر في تاريخ الحركة الثقافية المصرية. كان واحدًا من أبناء ذلك الجيل النادر الذي خرج من الريف المصري حاملًا قلبًا مملوءًا بالطين والقمح والحلم والمرارة معًا. جيل رأى في الكلمة موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون موهبة، ورأى في الشعر مسؤولية تجاه البشر لا وسيلة للزينة أو الشهرة.
الدقهلية تجمعنا؛ هو من ميت سلسيل، وأنا من المنصورة. لذلك كنت دائمًا أشعر نحوه بقرب يتجاوز المعرفة الثقافية أو السياسية. أبناء هذه الأرض يحملون شيئًا متشابهًا؛ حساسية مفرطة تجاه الناس، وحنينًا دائمًا للأماكن الأولى، وعنادًا هادئًا يشبه مجرى النيل حين يبدو ساكنًا بينما يتحرك في العمق بلا توقف.
والده، الشيخ عبد الباقي، كان مأذون ميت سلسيل، يعرف البيوت والعائلات والوجوه والحكايات الصغيرة. رجل بسيط يجلس إلى موائد الناس في أفراحهم، ويسجل بأصابعه بدايات الحكايات الإنسانية في دفاتر العقود القديمة. أظن أن سمير ورث عنه تلك القدرة النادرة على الاقتراب من البشر دون تكلف، وعلى الإصغاء العميق لوجع الناس وأفراحهم الهامسة. ابن المأذون الذي كان يسمع همسات العشاق في عقود الزواج، صار شاعرًا يسمع أنين الفقراء في قصائده.
أتخيله طفلًا صغيرًا يسير في شوارع ميت سلسيل الترابية، يراقب الفلاحين العائدين من الحقول مع الغروب، ويصغي إلى حكايات النساء في السهرات الريفية الطويلة، ويتأمل والده وهو يكتب بخطه الهادئ أسماء العرسان والعروسات في دفاتر صفراء تشبه الزمن القديم نفسه. تلك التفاصيل الصغيرة صنعت داخله شاعرًا لم يتعال يومًا على الناس، ولم يتحول إلى مثقف معزول داخل برج زجاجي.
حياته الحقيقية لم تبدأ في الجامعة، رغم تخرجه في كلية الزراعة بجامعة عين شمس قسم الاقتصاد الزراعي والتعاون عام 1966، بل بدأت مبكرًا وسط الفلاحين والطلاب والحلقات السياسية السرية. انجذب مبكرًا إلى الفكر اليساري التروتسكي، لا باعتباره موضة فكرية أو رفاهية تنظيرية، بل باعتباره انحيازًا أخلاقيًا للعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان.
كان يرى أن الشاعر لا ينبغي أن يقف محايدًا بينما الفقراء يسحقهم القهر، وأن القصيدة التي لا تشعر بوجع الناس مجرد زخرفة لغوية بلا روح. لذلك ارتبط بالحركة اليسارية المصرية، وشارك مبكرًا في إصدار صحيفة “صوت الفلاحين”، التي رفعت شعار “الأرض والديمقراطية والاستقلال الوطني”، وهو الشعار الذي اختصر روحه كلها تقريبًا.
الاعتقال الذي امتد من عام 1959 حتى 1964 لم يكن مجرد محطة سياسية في حياته، بل كان معملًا روحيًا وإنسانيًا أعاد تشكيله بالكامل. دخل السجن شابًا غاضبًا، وخرج منه شاعرًا يعرف هشاشة الإنسان وقوته في اللحظة نفسها. داخل الزنازين كتب وقرأ وأدار مجلات حائط وشارك في النشاط المسرحي والثقافي للمعتقلين، حتى تحولت الزنزانة عنده إلى مساحة مقاومة داخل العتمة.
سنوات سجني الطويلة أعادتني إليه بشكل مختلف. ذات يوم، أرسل إليّ مع أحد المحامين نسخة من كتابه “زمن الزنازين”. لم يكن كتابًا فقط، بل كان رفيقًا حقيقيًا في العزلة. قرأته لا ككاتب يقرأ تجربة معتقل آخر، بل كسجين يبحث عن نافذة ضوء داخل جدار مغلق. وجدت فيه ذلك الصوت الإنساني النادر الذي يعرف كيف يربّت على كتف المعذبين دون شعارات أو ضجيج.
“زمن الزنازين” لم يكن مجرد مذكرات سياسية، بل شهادة عميقة على جيل كامل عاش الحلم والانكسار معًا. لذلك بقي من أكثر كتب أدب السجون المصرية صدقًا وإنسانية. لم يكتب فيه عن البطولة بقدر ما كتب عن الإنسان حين يُختبر في وحدته وخوفه وأمله الصغير.
لقاءاتنا المتكررة في شارع كريم الدولة لا تغيب عن ذاكرتي. ذلك الشارع القصير الذي كان يفصل بين مقر حزب الغد ومقر حزب التجمع بدا أحيانًا كأنه جسر خفي بين السياسة والشعر. هناك، وسط صخب القاهرة، كنت أراه قادمًا بابتسامته الهادئة وروحه الخجولة، يحمل ذلك الود الإنساني الذي يأسر القلب فورًا.
لم يكن من أصحاب الحضور الصاخب أو الأصوات العالية. حضوره كان يشبه قصائده؛ بسيطًا، دافئًا، وعميقًا دون ادعاء. يجلس قليلًا، يتحدث قليلًا، لكنه يترك خلفه أثرًا طويلًا من الطمأنينة والمحبة. بعض البشر تشعر معهم أنك تعرفهم منذ زمن بعيد، حتى لو لم تلتقهم كثيرًا… وسمير كان من هؤلاء النادرين.
شعره لم يكن قصائد ترفيهية تُقرأ في الأمسيات ثم تُنسى. قصيدته كانت تشبه منشورًا سياسيًا مكتوبًا بموسيقى شعبية، أو هتافًا جماعيًا خارجًا من قلب العمال والفلاحين والمهمشين. لذلك ظل قريبًا من الناس الحقيقيين؛ من المقاهي الشعبية والحارات القديمة ووجوه البسطاء.
أكثر ما كان يدهشني فيه تلك القدرة النادرة على الجمع بين الحزن والسخرية. الأراجوز عنده لم يكن مهرجًا شعبيًا، بل حكيم شارع يرتدي قناع الضحك كي يستطيع أن يقول الحقيقة. “شمروخ الأراجوز” لم تكن مجرد تجربة ساخرة، بل محاولة لتحويل الضحك الشعبي إلى مقاومة ثقافية ضد الاستبداد والتبلد والقبح العام.
كان يعرف أن السلطة قد تتحمل الخطب الطويلة، لكنها ترتبك أحيانًا من جملة ساخرة يرددها الناس في الشوارع. لذلك جاءت أراجيزه مثل وخزات صغيرة في جسد البيروقراطية الثقيلة. ومن أكثر مقاطعه التصاقًا بالذاكرة:
“سيادة الملازم رئيس المدينة
سيادة العقيد المحافظ
سيادة اللواء المغني
وأنا… واكله قلبي مشاعر”
خلف هذه السخرية البسيطة كانت توجد مصر كاملة؛ مصر الموظف المرهق، والفلاح المنسي، والمواطن الذي يرى السلطة بعيدة عنه كأنها عالم آخر لا يسمع أنينه.
حتى قصائده الرومانسية لم تكن بعيدة عن الأرض. الحب عنده يشبه سنابل القمح، ورائحة المطر فوق الطين، وصوت الأذان الخارج من قرية نائمة على حافة ترعة قديمة. لذلك بقي شعره حيًا؛ لأنه خرج من الحياة نفسها، لا من المختبرات اللغوية الباردة.
كتب عشرات الدواوين والمسرحيات وأعمال الأطفال والرباعيات والأراجيز، لكن قيمته الحقيقية لم تكن في عدد الكتب، بل في ذلك الصفاء الإنساني النادر الذي حافظ عليه حتى النهاية. لم يتحول إلى شاعر سلطة، ولم يبدل جلده، ولم يتاجر بتاريخ سجنه أو نضاله.
جنازته التي خرجت من مسجد مصطفى محمود لم تكن مجرد وداع شاعر، بل وداع جزء من زمن كامل؛ زمن كان المثقف فيه يشعر بالخجل إذا ابتعد عن الناس، لا بالفخر. زمن كانت القصيدة فيه موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون لعبة لغوية.
رحل سمير عبد الباقي… لكن بعض البشر لا يغادرون تمامًا. يبقون مثل ضوء قديم في بيت ريفي بعيد، أو مثل صوت شاعر يجلس في مقهى صغير يتحدث بهدوء بينما تواصل الدنيا صخبها حوله.
وحدهم الطيبون يفعلون ذلك… يرحلون بأجسادهم، لكن أرواحهم تبقى تمشي طويلًا بين الناس.







