شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب – علاء الأسواني يستقبل السبعين (١–٣)

بعد أيام قليلة، وتحديدًا في السادس والعشرين من مايو، يستقبل علاء الأسواني عامه السبعين. سبعون عامًا تبدو، في حياة بعض البشر، مجرد رقم يضاف إلى العمر، لكنها في حياة رجل مثل علاء الأسواني تبدو كأنها سبعون عامًا من الحكايات المصرية الثقيلة؛ سبعون عامًا من الكتابة، والأسئلة، والضجيج، والنجاح، والخصومات، والانتصارات الصغيرة التي لا تُرى في نشرات الأخبار، لكنها تبقى في وجدان الناس طويلًا.

تبدأ بعض الحكايات من كتابٍ يختبئ أكثر مما يظهر. كتابٌ صغير الحجم، لكنه كان كافيًا ذات مساء شتوي من عام 2002 ليصنع واحدة من أغرب لحظات الدهشة تحت قبة البرلمان المصري. دخلتُ القاعة يومها كعادتي، لكن شيئًا ثقيلًا كان يسبقني إلى مقعدي. بدا كمال الشاذلي على غير طبيعته؛ يضع كتابًا أسفل منصة مقعده، يحاول إخفاءه عن العيون، ثم يعود بين لحظة وأخرى إلى تقليب صفحاته بعصبية واضحة، فيما تتبدل على وجهه علامات ضيق لم أعتدها منه حتى في أكثر الجلسات سخونة.

وما إن جلستُ في مقعدي المواجه له في الصف الأول، حتى شعرت أن الرجل يرمقني بنظرات غاضبة تختلط فيها الريبة بالاتهام. وعلى منصة المجلس، كان الدكتور فتحي سرور يختلس النظر هو الآخر إلى الكتاب نفسه، ثم يرفع عينيه نحوي بابتسامة جانبية لا تخلو من سخرية أو شماتة خفيفة، كأن الاثنين يشتركان في سرّ لا أعرفه بعد.

لم أفهم شيئًا في البداية. حاولت متابعة جدول الأعمال، لكن الأجواء بدت مشحونة على نحو غريب. كان كمال الشاذلي يقلب الصفحات بسرعة، يتوقف عند مقاطع بعينها، يضع علامات بالقلم، ثم يرفع رأسه ناحيتي كأنه يريد أن يقول شيئًا ويؤجله.

فجأة، التفت إليّ قائلًا بصوت خافت لكنه حاد: «شكرًا يا عم أيمن». ظننته يمزح، فسألته: «على ماذا يا معالي الوزير؟». رفع الكتاب أمامي للمرة الأولى، فإذا به رواية «عمارة يعقوبيان» لـ علاء الأسواني. قالها وهو يبتسم ابتسامة متعبة: «على الرواية دي».

كانت تلك أول مرة تقع عيناي فيها على الرواية التي كانت مصر كلها تتحدث عنها همسًا وصخبًا في الوقت نفسه. لم أكن قد قرأتها بعد، ولذلك لم أفهم سبب توتر الرجل، حتى باغتني بسؤال مباشر: «هو أنا الفولي؟». ارتبكتُ للحظة، لأنني بالفعل لم أكن أعرف شيئًا عن شخصيات الرواية ولا إسقاطاتها، فأجبته بصدق: «والله يا معالي الوزير ما قرأتهاش لسه».

لم يقتنع. ظل ينظر إليّ بنصف ابتسامة تحمل قدرًا من الشك، ثم قال: «كل الناس بتقول إنك أقرب واحد للمثقفين والكتاب وسط النواب… وإن أكيد لك علاقة بالرواية دي». حاولت أن أشرح له أن علاقتي بالمثقفين لا تعني أنني شريك سري في كتابة الروايات، لكنه بدا مستقرًا تمامًا في قناعته، وكأن العمل الأدبي تحوّل داخل عقله إلى ملف سياسي أو تقرير برلماني أو عملية تصفية حسابات ناعمة.

المدهش أن الرواية لم تكن قد تحولت بعد إلى الظاهرة الكبرى التي عرفتها مصر لاحقًا، ومع ذلك كانت قد نجحت مبكرًا في التسلل إلى قلب السلطة. لم يكن غضب كمال الشاذلي من نص أدبي فقط، بل من مرآة شعر أنها اقتربت أكثر مما ينبغي من وجوه يعرفها جيدًا، ومن عالم ظل يظن طويلًا أنه مغلق بإحكام.

أعود أحيانًا بذاكرتي إلى تلك اللحظة فأدرك أن علاء الأسواني لم يدخل المجال العام من بوابة السياسة التقليدية، بل دخل إليه عبر الأدب. رواية واحدة كانت كافية لكي تجعل مسؤولين كبارًا يفتشون داخل صفحاتها عن أنفسهم، أو عن وجوه تشبههم، أو عن أسرار يعرفونها جيدًا.

لم يكن علاء الأسواني يشبه الأدباء التقليديين الذين يعيشون بعيدًا عن الناس. الرجل الذي ولد في السادس والعشرين من مايو 1957، وسط بيتٍ مصري ممتلئ بالثقافة والسياسة والحكايات، حمل منذ بداياته ذلك التناقض الجميل؛ طبيب أسنان هادئ، وروائي يكتب كأن في داخله مظاهرة لا تهدأ.

والده عباس الأسواني لم يكن اسمًا عابرًا في حياته، بل كان عالمًا كاملًا من الأدب والسياسة والانحياز للفقراء والبسطاء. ومنذ سنواته الأولى، بدا علاء كأنه يرث عن أبيه شيئًا أكبر من الموهبة؛ يرث الحساسية تجاه الظلم، والقدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية التي لا يراها الآخرون.

تعلّم في الليسيه الفرنسية، وذهب إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته، وتعلّم الإسبانية في مدريد، لكنه ظل يحمل مصر داخله أينما ذهب. حتى رواياته التي عبرت العالم بقيت شوارع القاهرة وروائحها وطبقتها الوسطى المهزومة حاضرة في كل صفحة منها.

وحين صدرت «عمارة يعقوبيان»، لم ينجح الأسواني فقط في كتابة رواية عظيمة، بل نجح في إعادة ملايين القراء العرب إلى الرواية من جديد. فجأة، صار الناس يتحدثون عن الأدب في المقاهي والجامعات والتاكسيات والبرلمان نفسه.

لم يكن نجاحه مجرد نجاح تجاري أو إعلامي. كان نجاحًا لرواية أعادت للمصريين شهيتهم لسماع أنفسهم. ولذلك بقي علاء الأسواني، بالنسبة لكثيرين، أكثر من روائي؛ بقي شاهدًا على زمن كامل.

قالوا عنه:

قال عنه الروائي اللبناني الياس خوري: «نجح علاء الأسواني في كسر الحاجز بين الأدب والسياسة دون أن يفقد جمال الفن».

وقال الناقد المصري جابر عصفور: «يمتلك قدرة استثنائية على تحويل تفاصيل الطبقة الوسطى المصرية إلى عمل إنساني عالمي».

أما الروائي المصري بهاء طاهر فقال عنه: «علاء الأسواني يمتلك حسًا حكائيًا نادرًا يجعل القارئ يرى نفسه داخل النص».

غدًا نقترب أكثر من الوجه الآخر للرجل؛ علاء الأسواني الذي كانت القاهرة تصعد إليه كل خميس، والذي تحولت ندواته داخل مقر حزب الغد إلى مساحة نادرة اختلط فيها الأدب بالسياسة والحلم المصري المؤجل.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى