لماذا تعمد نتنياهو تسريب تفاصيل زيارته السرية إلى الإمارات؟

كشف تقرير تحليلي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعمد تسريب تفاصيل ما وصفه مكتبه بـ”الزيارة السرية” إلى الإمارات خلال الحرب على إيران، في خطوة فسّرها التقرير بأنها محاولة لإحراج أبوظبي ودفعها إلى الاعتراف العلني بحجم التنسيق الأمني والعسكري مع إسرائيل.
وجاء ذلك في تحليل نشره موقع Middle East Eye البريطاني، أشار فيه إلى أن مكتب نتنياهو أعلن، في 13 مايو الجاري، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أجرى زيارة سرية إلى الإمارات، والتقى رئيس الدولة محمد بن زايد آل نهيان، واصفًا اللقاء بأنه “اختراق تاريخي”.
لكن وزارة الخارجية الإماراتية سارعت إلى نفي الرواية الإسرائيلية بصورة حادة وغير معتادة، ووصفت التقارير بأنها “لا أساس لها من الصحة على الإطلاق”، مؤكدة أن العلاقات مع إسرائيل تُدار علنًا في إطار اتفاقيات أبراهام. وجاء النفي الإماراتي في وقت كانت فيه المنطقة تعيش حالة شديدة الحساسية على خلفية الحرب مع إيران والتصعيد المستمر في غزة.
تفاصيل إسرائيلية رغم النفي الإماراتي
ورغم النفي الإماراتي، مضت وسائل إعلام إسرائيلية في نشر مزيد من التفاصيل حول الزيارة، إذ ذكرت تقارير أن اللقاء عُقد في مدينة العين قرب الحدود العُمانية، واستمر لعدة ساعات. كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن وصول طائرات خاصة إلى الإمارات خلال تلك الفترة، إضافة إلى مرافقة شخصيات أمنية وعسكرية إسرائيلية رفيعة للزيارة.
وتناولت التقارير أسماء مسؤولين أمنيين بارزين، من بينهم رئيس الموساد ديفيد بارنيا، ورئيس الشاباك، ورئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير. كما أشار التقرير إلى تصريحات مسؤولين أمريكيين تحدثوا عن وجود جنود إسرائيليين داخل الإمارات لتشغيل بطاريات “القبة الحديدية” خلال الحرب مع إيران.
ويرى التحليل أن السؤال الحقيقي لم يعد مقتصرًا على ما إذا كانت الزيارة حدثت بالفعل أم لا، بل لماذا اختار نتنياهو كشفها رغم حساسية الموقف الإماراتي. فالتسريب، بحسب التقرير، لم يكن مجرد خطأ بروتوكولي، بل خطوة سياسية محسوبة تخدم أهدافًا داخلية وإقليمية في توقيت بالغ التعقيد.
رسالة إلى الداخل الإسرائيلي وإيران
وبحسب الكاتب علي بكر، فإن نتنياهو سعى من وراء التسريب إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها تقديم نفسه للإسرائيليين كزعيم لا يزال مرحبًا به في العواصم العربية، رغم حرب غزة ومذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية.
كما أراد نتنياهو، وفق التحليل، طمأنة الداخل الإسرائيلي بأن اتفاقيات التطبيع لا تزال قائمة، وأن العلاقات مع بعض العواصم العربية لم تنهَر رغم الغضب الشعبي العربي والإسلامي من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
ويشير التقرير إلى أن التسريب حمل أيضًا رسالة مباشرة إلى إيران، مفادها أن إسرائيل قادرة على التحرك داخل الخليج حتى خلال الحرب، ونقل كبار مسؤوليها الأمنيين والعسكريين إلى المنطقة دون عوائق ظاهرة.
لكن الأخطر، بحسب التحليل، أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الخطوات إلى تعميق اعتماد الإمارات على التنسيق الأمني الإسرائيلي، وإحداث مزيد من الانقسامات داخل الخليج العربي.
لماذا نفت الإمارات؟
وفي المقابل، يوضح التقرير أن النفي الإماراتي لا يرتبط فقط بإنكار حدوث اللقاء، بقدر ما يعكس خوف أبوظبي من التداعيات السياسية والأمنية للاعتراف العلني بالتنسيق مع إسرائيل خلال الحرب.
فالإمارات، وفق التحليل، تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب استمرار حرب غزة وتصاعد الغضب الشعبي العربي والإسلامي تجاه أي علاقة مع إسرائيل، خصوصًا في ظل مشاهد الدمار والضحايا داخل القطاع الفلسطيني.
كما تخشى أبوظبي من أن يؤدي تأكيد التعاون الأمني مع إسرائيل إلى تعزيز الرواية الإيرانية التي تتهم بعض دول الخليج بالتواطؤ مع تل أبيب ضد طهران.
ويشير التقرير إلى أن الإمارات تعرضت خلال الحرب الأخيرة لهجمات واسعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، ما جعلها أكثر حساسية تجاه أي تصعيد جديد قد يربطها مباشرة بالمشروع الأمني الإسرائيلي.
صورة الإمارات الاقتصادية تحت الضغط
إضافة إلى ذلك، يرى التقرير أن انكشاف هذا النوع من العلاقات يهدد الصورة التي تحاول الإمارات تسويقها عالميًا باعتبارها مركزًا مستقرًا للأعمال والاستثمارات والسياحة.
ويؤكد التحليل أن المستثمرين والشركات الدولية باتوا يراقبون بحذر أي مؤشرات على تحول الإمارات إلى طرف مباشر في الصراعات الإقليمية، خصوصًا مع تصاعد المخاطر الأمنية المرتبطة بالحرب مع إيران.
واعتبر التقرير أن تسريب نتنياهو شكّل خرقًا واضحًا لقواعد الدبلوماسية السرية التي تعتمد عليها الإمارات في إدارة علاقاتها الحساسة. كما رأت أبوظبي، بحسب التحليل، أن الخطوة الإسرائيلية تمثل محاولة لاستخدامها كورقة انتخابية داخلية لصالح نتنياهو.
سابقة نيوم وتداعيات التطبيع
وأشار الكاتب إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها نتنياهو هذا الأسلوب، مذكّرًا بتسريب زيارته السرية إلى مدينة نيوم السعودية عام 2020، وهي الخطوة التي ساهمت حينها في تعقيد مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي.
ويرى التقرير أن التسريب الأخير قد يعزز أيضًا موقف المملكة العربية السعودية الرافض حاليًا للمضي في التطبيع مع إسرائيل، خاصة في ظل تصاعد الكلفة السياسية والإقليمية للعلاقة مع حكومة الاحتلال.
وخلص التحليل إلى أن أبوظبي بدأت تواجه تساؤلات متزايدة حول جدوى التحالف العميق مع إسرائيل، وما إذا كانت هذه العلاقة باتت تقوض استقلال القرار الإماراتي وتجر الدولة نحو مزيد من العزلة والصراعات التي يصعب السيطرة على تداعياتها.
وبذلك، يكشف الجدل حول زيارة نتنياهو المزعومة إلى الإمارات عن عمق التناقض بين التطبيع العلني والحسابات الأمنية السرية، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب تتداخل فيها حرب غزة مع المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران.







