
تشخيص المشكلة بدقة هو نصف الحل”، ليست مجرد عبارة إنشائية تُقال في الندوات الاقتصادية، بل قاعدة حكمت تجارب الإصلاح الكبرى في العالم، لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الاعتراف بالأزمة، وإنما إنكارها، أو تجميلها، أو ترحيلها إلى المستقبل حتى تتحول من عبء يمكن السيطرة عليه إلى انفجار يصعب احتواؤه.
من هنا تحديدًا يمكن قراءة الجدل الذي أُثير حول تصريحات الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشئون الاقتصادية التي جاءت خلال ندوة موسعة بغرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة، أدارتها الإعلامية المتميزة لميس الحديدي، بشأن مناخ الاستثمار والدين العام وبحوث الدخل والإنفاق، فالرجل لم يأتِ من خارج المشهد، ولم يهبط على الملف الاقتصادي من فراغ، بل هو أكاديمي عايش تفاصيل الدولة المصرية لسنوات طويلة، ورئيس سابق للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، وواحد من أكثر المنخرطين في نقاشات الدين العام وإدارة المالية العامة منذ سنوات.
أعلم أن البعض تعامل مع تصريحاته باعتبارها “حرجًا للحكومة”، وآخرون حاولوا تصويرها وكأنها انتقاد لاذع للدولة من داخلها، بينما الحقيقة أن ما قاله أقرب إلى توصيف واقعي لحجم التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، وهو توصيف لا يتناقض مع موقعه الحكومي، بل ربما يصبح أكثر أهمية لأنه صادر عن مسؤول يدرك حجم الأزمة ويؤمن أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالمشكلات لا دفنها تحت عبارات الطمأنة التقليدية.
فعندما يقول مسئول اقتصادي إن مناخ الاستثمار ما زال عند ٤ من ١٠، فهو لا يهدم صورة الدولة، بل يبعث برسالة أكثر أهمية للمستثمر وللمجتمع معًا، مفادها أن هناك إدراكًا رسميًا بأن الطريق لم يكتمل بعد، وأن تحسين بيئة الاستثمار ما زال أولوية تستدعي إصلاحات هيكلية حقيقية، أما البديل، أي تقديم صورة وردية تخالف الواقع، فهو أخطر بكثير، لأنه يقتل الدافع للإصلاح ويؤجل مواجهة العقبات.
والواقع أن كثيرًا مما طرحه حسين عيسى ليس جديدًا على دوائر النقاش الاقتصادي الجاد، بل إن قوى سياسية وبرلمانية عدة، وفي مقدمتها حزب العدل، تبنّت هذه الأطروحات منذ سنوات، سواء فيما يتعلق بضرورة إعادة صياغة دور الدولة الاقتصادي، أو معالجة أزمة الدين، أو تحسين مناخ الاستثمار، أو ترشيد الدعم وتحويله تدريجيًا إلى دعم نقدي أكثر كفاءة وعدالة.
برنامج الحزب نفسه قام على فكرة أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى إصلاحات مؤسسية عميقة، لا مجرد حلول مالية مؤقتة، ومنذ سنوات طُرحت أوراق تفصيلية بشأن تعقيدات تأسيس الشركات، وتعدد الرسوم، وضرورة توحيدها لتقليل تكلفة الاستثمار، فضلًا عن تقديم رؤى مرتبطة بإدارة الدين العام وتعديل بعض التشريعات المنظمة للمالية العامة بهدف تعزيز الانضباط والشفافية وتقليل الاعتماد على الاقتراض.
وفي ملف الاستثمار تحديدًا، لم يكن الحديث عن البيروقراطية أو بطء الإجراءات أو تضارب الجهات التنظيمية أمرًا طارئًا، بل كان محل نقاش متكرر داخل مجلس النواب واللجان الاقتصادية منذ فترات سابقة على تولي الحكومة الحالية مسؤولياتها، وبالتالي فإن ما قاله نائب رئيس الوزراء لا يمكن عزله عن سياق أوسع من الجدل الوطني حول كيفية الانتقال من اقتصاد مُثقل بالأعباء إلى اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والتنافسية، ومن الاكتفاء بتحسن المؤشرات الكلية إلى ترجمة هذا التحسن في حياة المواطن اليومية.
الأمر نفسه ينطبق على ملف الدين العام، فالتوصيف الذي استخدمه حسين عيسى قد يبدو صادمًا للبعض، لكنه في جوهره يعكس حقيقة أن خدمة الدين أصبحت أحد أكبر الضغوط على الموازنة العامة، وأن أي نقاش جاد حول الاقتصاد المصري لا يمكن أن يتجاهل هذه الحقيقة، فالاعتراف بحجم العبء لا يعني انهيارًا، بل يعني أن هناك إدراكًا بضرورة التحرك نحو أدوات مختلفة للتمويل وإدارة الدين، وتقليل الاعتماد على الاقتراض قصير الأجل، وفتح المجال بصورة أكبر للقطاع الخاص.
حتى حديثه عن ضرورة إصدار بحوث الدخل والإنفاق بانتظام يجب النظر إليه باعتباره دفاعًا عن الشفافية وصناعة القرار الرشيد، وهو ما طالبت به مرارًا، لأن هذه المؤشرات ليست رفاهية إحصائية يمكن تجنب إصدارها، بل أدوات أساسية لفهم التحولات الاجتماعية ومستويات الفقر والقدرة الشرائية واتجاهات الاستهلاك، وبالتالي الاستناد إليها في تقييم الأداء الاقتصادي وتصميم سياسات حماية اجتماعية أكثر دقة وكفاءة، فالأخطر من الأرقام الصعبة أحيانًا هو غياب الأرقام أصلًا.
الاقتصاد لا يُدار بالشعارات، ولا تتحسن المؤشرات عبر الإنكار، بل بالمواجهة الهادئة والعقلانية للمشكلات، وربما تكون قيمة تصريحات حسين عيسى أنها فتحت الباب مجددًا لنقاش اقتصادي أكثر صراحة، في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى تضافر الجميع حول حلول قابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء بتبادل الطمأنات أو الاتهامات.
أعرف الرجل منذ أكثر من اثني عشر عامًا، وزاملته داخل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، ثم في دوائر نقاش اقتصادي مختلفة حتى عضوية اللجان الاستشارية الاقتصادية لمجلس الوزراء، ولم يكن يومًا من هواة المزايدات أو إطلاق التصريحات الشعبوية، بل هو دائم الانحياز لفكرة الإصلاح القائم على الأرقام والوقائع، حتى وإن كانت قاسية.
لهذا فإن ما قاله لا ينبغي التعامل معه باعتباره “تريند”، أو نذير لمخاوف جديدة كما تناولته بعض الأقلام بل فرصة لتعميق النقاش حول المسار الاقتصادي المطلوب، وفرصة أيضًا لبناء توافق أوسع بين الحكومة والقوى السياسية والخبراء حول أولويات الإصلاح، لأن الدول لا تعبر أزماتها بالإنكار، ولا تبني الثقة بتجميل الواقع، وإنما بامتلاك الشجاعة الكافية لتشخيص الخلل، والقدرة المؤسسية على تحويل هذا التشخيص إلى برنامج إصلاح واضح، عادل، وقابل للتنفيذ.






