شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب – علاء الأسواني (٢–٣) مصر كانت تصعد إليه كل خميس

القاهرة، في سنواتها المضطربة قبل يناير 2011، لم تكن مدينة سهلة الفهم أو الإصغاء لأحد.
كان الضجيج أعلى من الكلام، والخوف أوسع من الشوارع، والسياسة تُدار خلف الأبواب لا فوق المنصات المفتوحة.

مع ذلك، كان هناك مساء مختلف يتكرر كل خميس في قلب ميدان طلعت حرب، داخل مقر البرلمان الشعبي بحزب الغد، فوق «جروبي».
مساء تصعد فيه النخبة المصرية درجات السلم القديمة، لا بحثًا عن منصب ولا صفقة ولا صورة تذكارية، بل من أجل الاستماع إلى الدكتور علاء الأسواني.

لم تكن الندوة نشاطًا تقليديًا، ولم يكن الدكتور علاء الأسواني مجرد ضيف عابر.
علي منصه جلس عليها كل الساسه ،فالرجل كان بطل المشهد كله.
كان اسمه وحده كافيًا لتمتلئ القاعة قبل الموعد بوقت طويل، حتى بدا المكان، في بعض الأمسيات، أشبه بمصر صغيرة؛ وجوه من اليمين واليسار، ليبراليون وقوميون وإسلاميون، فنانون وصحفيون وأساتذة جامعات وشباب، لم يكن يجمعهم شيء بقدر ما كانت تجمعهم الرغبة في الإصغاء إلى هذا الرجل.

أذكر أن بعض الحاضرين كانوا يأتون قبل الندوة بساعتين فقط ليضمنوا مقعدًا قريبًا.
آخرون كانوا يقفون في الممرات أو عند الأبواب، بينما يتسلل دخان السجائر مختلطًا برائحة قهوة جروبي، وصخب النادي اليوناني الصاعد من أسفل.

في الداخل، كان الدكتور علاء الأسواني يتحدث بصوته الرخيم بالطريقة نفسها التي يكتب بها.
بلا استعراض، بلا نبرة واعظ، وبلا لغة خشبية تقليدية.
كان يتكلم كأن رواية بديعة من رواياته خرجت من ضفتي كتاب لتجلس بين الناس.

لم يكن الحضور يذهب ليستمع إلى تحليل سياسي تقليدي، بل إلى رجل استطاع أن يجعل الثقافة جزءًا من المجال العام، وأن يعيد للمثقف مكانته القديمة التي كادت تضيع وسط زحام المذيعين والخطباء ونجوم البرلمان.

كثيرون لم يكونوا يقرأون الروايات أصلًا، لكنهم كانوا يأتون ليستمعوا إلى الراوي علاء الأسواني.
بعضهم جاءه من بوابة «عمارة يعقوبيان»، وبعضهم من مقالاته السياسية، وآخرون فقط لأنهم شعروا أن هذا الرجل يشبههم، ويتحدث بلغتهم، لكنه يقول ما يخافون قوله.

تحت سقف واحد، كانت مصر تجلس لتتحاور مع نفسها.
صورة كانت جديرة بأن يسجلها الفنان المبدع صلاح عناني في لوحة تجمع شاعرًا يساريًا بجوار رجل أعمال ليبرالي، وصحفيًا قوميًّا يناقش طالبًا إسلاميًا، بينما الجميع ينتظر وصول علاء الأسواني، وهو يدخل إلى القاعة خجولًا، مبتسمًا، متواضعًا، وسط نظرات الإعجاب.

ندوات الدكتور علاء الأسواني، سواء في صالون الدكتور ممدوح حمزة، أو في مقر حزب الكرامة، أو في مقر حزب الغد، لم تكن مجرد نشاط ثقافي؛ بل كانت محاولة مبكرة لاستعادة المجال العام المصري الذي جرى تجريفه طويلًا.
كانت نبضًا يسري في جسد تصور البعض أنه بات جثة هامدة.

في ندواته بالغد، كانت المناقشات تمتد أحيانًا إلى ما بعد منتصف الليل.
أحيانًا كان يخرج بعض الحضور إلى الشرفة الدائرية المطلة على ميدان طلعت حرب، بدعوى التدخين، لكنهم كانوا يتجادلون حول فكرة طرحها، أو رواية كتبها، أو واقعة أثارها، ثم يعودون مرة أخرى إلى الداخل كأنهم يخشون انتهاء الليلة سريعًا.

أكثر ما كان يلفتني في الدكتور علاء الأسواني أنه لم يتعامل يومًا بغرور مع شهرته، باعتبارها سلطة فوق الناس.
كان يصغي باهتمام كما يتكلم، ويمنح الشباب اهتمامًا حقيقيًا لا مجاملة عابرة.
كثير من الوجوه التي حضرت تلك الندوات كانت تشعر – للمرة الأولى – أن صوتها مسموع، وأن المثقف يمكن أن يكون قريبًا من الناس لا متعاليًا عليهم.

لم يكن حضوره قائمًا على البلاغة والثقافة وحدها، بل على الصدق.
كان الناس يشعرون أن الرجل يقول ما يؤمن به فعلًا، حتى حين يختلفون معه. وربما لهذا السبب تحديدًا بقيت ندواته مزدحمة حتى في أصعب اللحظات السياسية التي مرت بمصر قبل يناير 2011.

حين جاءت ثورة يناير، لم أشعر أن علاء الأسواني غادر موقعه الطبيعي إلى الميدان، بل شعرت أن الميدان نفسه كان امتدادًا طبيعيًا لتلك الأمسيات الطويلة؛ الأسئلة ذاتها، والقلق ذاته، والغضب ذاته، والأمل نفسه الذي كان يملأ عيون الشباب وهم يصعدون كل خميس إلى مقر حزب الغد.

لم يكن الأسواني سياسيًا محترفًا، وربما لهذا صدقه الناس.
كانوا يرون فيه كاتبًا جاء إلى السياسة من باب الضمير لا من باب الطموح الشخصي.
كان الدكتور علاء ثورة قبل الثورة.

حين واجه أحمد شفيق على الهواء بعد الثورة، على قناة أون تي في، شعر كثيرون أن الرجل الذي كانوا يستمعون إليه فوق «جروبي» صار يتحدث باسم المصريين.

خمسة عشر عامًا مرت على تلك الأمسيات، لكن صورها ما تزال معلقة في الذاكرة؛ قاعة البرلمان الشعبي المكتظة، مقاعد المدرج المتصاعدة، أصوات النقاش، ووجه علاء الأسواني في القلب، وهو يتحدث بهدوء وسط بلد كان يغرق ببطء.

قالوا عنه:

قال عنه الروائي الجزائري واسيني الأعرج:
«أعاد الأسواني الاعتبار للرواية العربية الجماهيرية دون أن يتنازل عن قيمتها الفنية».

وقالت عنه صحيفة الغارديان:
«الروائي الذي منح الشارع المصري صوتًا أدبيًا جريئًا».

أما المفكر الأستاذ فهمي هويدي فقال:
«علاء الأسواني نموذج للمثقف الذي لم يفصل يومًا بين الكلمة والضمير».

وأقول عنه:
«رحم الله أباه الأديب الكبير، وأمه بنت الأصول العريقة، وأمد الله في عمره وعمله، ليظل صوتًا معتبرًا للعقل، وأميرًا للإصغاء الحنون».

و غدًا، وفي يوم مولده، تأتي الحلقة الثالثة من ثلاثية «الأسواني يستقبل السبعين».
يبقى الوجه الأخير… وجه الكاتب الذي خرج من الرواية إلى قلب الثورة، ثم ظل، رغم كل المواقف والعواصف، واحدًا من أكثر الأصوات المصرية حضورًا وتأثيرًا وإثارة لمخاوف المغيبين والمستبدين.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى