مقالات وآراء

اسامة رشدى يكتب : من “إسقاط إيران” إلى التفاهم معها: كيف انتهت الحرب إلى اعتراف أمريكي بالواقع؟!

بعد المتابعة الدقيقة لما تسرّب خلال الساعات الماضية في الصحافة الأمريكية حول الاتفاق الجاري التوصل إليه مع إيران، منذ الحديث عن التوصل ل “مذكرة تفاهم” من 14 نقطة في صفحة واحدة، تكشف حجم التحول الهائل الذي حدث خلف الكواليس خلال الشهور الماضية.

يمكن ان أؤكد أن الحرب التي بدأت بخطاب يتحدث عن تغيير النظام الإيراني خلال أيام، وتحريك الشارع الإيراني، بل وحتى تفكيك الجغرافيا الإيرانية، وتدمير البرنامجين النووي والصاروخي، وإنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة…

انتهت فجأة إلى مفاوضات طويلة وشاقة، لا تزال رغم ذلك في بدايتها، وما توصلوا اليه ليس إلا مذكرة تتحدث عن رؤوس اقلام تتمثل في:

وقف مؤقت للتخصيب وليس إنهاءه.

رفع تدريجي للعقوبات.

الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.

فتح مضيق هرمز وإنهاء القيود والحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.

ترتيبات أمنية إقليمية جديدة تتعلق بمضيق هرمز.

إعلان رسمي لنهاية الحرب.

بل إن بعض التسريبات تتحدث عن قبول مبدأ استمرار التخصيب الإيراني لاحقًا ضمن ترتيبات ورقابة متفق عليها، وهو ما كانت واشنطن تعتبره سابقًا “خطًا أحمر”.

وهنا يصبح من حق العالم أن يتساءل:

إذا كانت كل هذه البنود مطروحة اليوم على الطاولة… فلماذا شُنّت الحرب أصلًا؟ ولماذا انسحب ترامب عام 2018 من الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إدارة أوباما مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا، والذي كان يُنظر إليه باعتباره واحدًا من أكثر الاتفاقات النووية تشددًا وتعقيدًا من حيث الرقابة وآليات التحقق؟

الحقيقة التي لا نعرف بعد كيف سيسوّقها ترامب للرأي العام الأمريكي، هي أن هذه الحرب لم تحقق الأهداف الكبرى التي أُعلنت في بدايتها.

لا النظام سقط، ولا إيران تفككت أو استسلمت، ولا البرنامج النووي والصاروخي انتهى، ولا محور طهران الإقليمي انهار.

بل على العكس…

العالم كله دفع ثمن أزمة طاقة، واضطراب في التجارة العالمية، با وبات هناك تهديد دائم لمضيق هرمز الذي لم يكن قائما قبل الحرب، وهناك خسائر اقتصادية عالمية هائلة، وتصاعد غير مسبوق لمخاطر الحرب الإقليمية.

ويبدو أن واشنطن اختارت في النهاية، خوفًا من الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة تشير معظم المؤشرات إلى أنها ستكون مكلفة وغير مضمونة النتائج، الانتقال من مرحلة “فرض الاستسلام” إلى محاولة إدارة الخروج بأقل الخسائر الممكنة.

كما أن التسريبات تتحدث عن دور إقليمي واسع في ترتيب الاتفاق، يشمل باكستان ودول الخليج وتركيا، بما يعكس إدراكًا جماعيًا بأن استمرار الحرب قد يقود إلى انفجار إقليمي لا يمكن السيطرة عليه، وبما قد يضعف الوجود الأمريكي نفسه والشراكات الأمنية التي قامت عليها استراتيجيات المنطقة لعقود.

ورغم أن الاتفاق النهائي لم يُعلن رسميًا بعد، وأن الخلافات لا تزال قائمة حول تفاصيل التخصيب، والرقابة، والعقوبات، والضمانات الأمنية، إلا أن مجرد الانتقال من خطاب “الضربة الحاسمة وتدمير الحضارة” إلى “مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب”، يمثل بحد ذاته اعترافًا سياسيًا واستراتيجيًا بأن الواقع كان أكثر تعقيدًا بكثير من أوهام البدايات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى