
مثلما جرى ترذيل النظام الديمقراطي في عيون التوانسة بطريقة منهجية ومتواصلة، جرى أيضا ترذيل علاقة النظام الديمقراطي بالجيش التونسي زوراً وبهتانا وتلفيقا، وجرى العمل على تثبيت تلك الصورة التي جرى فيها ذبح جنودنا (رحمهم الله) في الشعانبي غيلةً وغدرا، رغم أن هذا الحادث لم يكن المقصود به ذبح الجنود فقط، بل ذبح الديمقراطية أيضا، كما كان هو نفس الهدف عندما أغتيل الشهيدان بلعيد والبراهمي، وأينما ضرب الإرهاب لاحقاً، كان هدفه واضحاً، وهدف الأطراف التي تحرّكه، ألا وهو ايقاف مسار الانتقال الديمقراطي الذي اصبح استمراره للأطراف الفاعلة في منطقتنا مزعجاً، مزعجا للكيان الصهيوني الذي لطالما سوّق للكيان باعتباره الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وكذلك لأن الصهاينة لا يرغبون في وجود أنظمة ديمقراطية تمثّل شعوبها تمثيلا حقيقيا، ولا تخشى أحدا غير الشعوب التي انتخبتها، وكذلك مزعجاً للأنظمة العربية المستبدة التي يزعجها أن يكون هناك استثناء يحرجها أمام شعوبها..
أقول أن ديمقراطيتنا “الفتيّة” المغدورة، منحت الجيش الوطني مكانة غير مسبوقة منذ قيام الجمهورية، سواء من خلال الصورة التي كرّستها له كراع للثورة والديمقراطية، غير راغب في السلطة كما قال الجنرال رشيد عمّار في حينها “لقد وجدناها – أي السلطة- مرتين ملقاة في الشارع ولم نلتقفها”، أو من خلال تخصيص الموارد الضرورية لتجهيزه وإعادة بنائه لخوض هذا النوع الجديد من الحروب الصعبة، حروب العصابات ومواجهة الجماعات الارهابية، والأهم من كل هذا احترام وظيفته الدستورية واقامة علاقات قائمة على الاحترام مع قيادته والنأي به عن التجاذبات السياسية، فطيلة تجربة الانتقال التي استمرت قرابة عشر سنوات، لم يتم اقحام المؤسسة العسكرية في الأزمات السياسية المتناسلة، ولم تخض إلا معارك الشرف لحماية الوطن، المعارك ضد الإرهاب، فانتصرت تونس الديمقراطية وانتصرت هي.
إن ما يجب أن يناقش حقّا هو الإشكالية التي فجّرها 25 جويلية 2021، وما انبثق عنها من أسئلة محيّرة تمسّ فعلا من المكتسبات المعنوية التي حّققها الجيش الوطني طيلة العشرية، كراع للثورة والديمقراطية، حيث بقيت المؤسسة الأكثر شعبية في عيون التوانسة عندما كان يسمح باجراء سبر الآراء، ومن هذه الأسئلة:
– هل يجوز للمؤسسة العسكرية إطاعة رئيس الجمهورية بناء على وظيفته الدستورية ك”قائد أعلى للقوات المسلّحة” في القيام بخرق فاضح للدستور ألا وهو اغلاق مؤسسات دستورية منتخبة أخرى كالبرلمان، ثمّ تغيير نظام الحكم الديمقراطي الدستوري، بل إلغاء الدستور نفسه وكتابة دستور جديد على مقاس الحاكم الفرد؟ يقال سابقا إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أي أن المخلوق يطيع المخلوق في حدود عدم معصية الخالق!!وكذلك حال إطاعة مكلّف دستوري فإنها يجب أن ترتبط بإطاعة الدستور نفسه، وأن لا تكون طاعة تبلغ درجة المشاركة في خرق الدستور!!؟
– إن القول بنأي الجيش عن التجاذبات السياسية، مشروط “تاريخيا” وعمليا بوجود نظام ديمقراطي قائم على إدارة التجاذبات السياسية، أما في حال وجود نظام ألغى العملية السياسية برمّتها وقام بتجريم العمل السياسي، على نحو يمكن أن يقاد معه أي ناشط سياسي إلى السجن بتهم يعلم الجميع أنها تهم مختلقة، فعن أي تجاذبات سياسية يتم الحديث الآن، خصوصا وأن السلطة لم تعد موزّعة كما كانت خلال العشرية، ولم يعد متاحا أمام أي طرف سياسي تسخير الجيش في معركة ضد الآخرين، على نحو ما جرى في تلك الليلة التي أقحم فيها الجيش لإغلاق مؤسسة منتخبة ذات شرعية شعبية دون سند دستوري أو قانوني..
خلاصة القول: في ظل النظام الفردي التسلطي كانت المؤسسة العسكرية مصدر قلق للحاكم المطلق وما تزال، وهو من حاول غالبا وما أمكن تهميشها وإبعادها، وإن أقحمها فمن أجل القيام بوظيفة قمعية (أحداث 78)، ثم ثورة الحرية والكرامة (2010/2011)، أمّا في ظل النظام الديمقراطي فمن طابع الحاكم الديمقراطي عدم القلق ما دام حاكما ديمقراطيا (حتى يتحوّل بارادته إلى شيء مختلف) فقد كان ينظر بعين كبيرة لهذه المؤسسة، ولم يتم إقحامها يوماً ولو لمرة واحدة في أي تجاذب سياسية!!؟







