ملفات وتقارير

مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية : الإسلاميون في ماليزيا.. نموذج البقاء الاجتماعي والتدرج السياسي دون مشروع دولة شامل


ورقة تحليلية – نقدية – مقارنة
سلسلة تجارب الإسلاميين في الحكم والإدارة
مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2025

تقدم التجربة الإسلامية في ماليزيا نموذجًا مختلفًا عن معظم تجارب الإسلاميين في العالم العربي؛ فهي لم تتأسس على منطق الصراع المباشر على السلطة، ولا على محاولات الحسم السريع، بل على بناء طويل المدى للشرعية الاجتماعية والتمثيل الشعبي داخل مجتمع متعدد الأعراق والديانات واللغات.
استطاع الحزب الإسلامي الماليزي PAS أن يرسّخ نفسه ممثلًا للكتلة الملايوية المسلمة المحافظة من خلال التربية الدينية، والعمل الخيري، والخطاب الأخلاقي، والالتحام بالمجتمع الريفي، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى السياسة والحكم.
تميزت التجربة بمرونة عالية في بناء التحالفات، وبتجنّب منطق المواجهة الشاملة مع الدولة، ما أتاح لها البقاء والاستمرار لعقود. ومع ذلك، فإن هذا المسار لم يخلُ من إخفاقات واضحة، أبرزها ضعف الرؤية الاقتصادية الحديثة، وصعوبة اختراق المدن والطبقات الوسطى، والتأثر الزائد بتوازنات التحالفات السياسية.
تكشف التجربة الماليزية أن النجاح الإسلامي المستدام لا يتحقق بالسعي إلى السلطة مباشرة، بل ببناء قاعدة اجتماعية راسخة، وخطاب أخلاقي جامع، وتحالفات متدرجة، مع قدرة على التكيف دون التفريط بالهوية.
أولًا: تمهيد – دولة متعددة الهويات وتوازنات معقدة
تُعد ماليزيا نموذجًا مميزًا في العالم الإسلامي نظرًا لبنيتها الاجتماعية الفريدة؛ فهي دولة متعددة الأعراق والأديان واللغات. يشكل الملايو المسلمون الأغلبية الديمغرافية، بينما يشكل الصينيون والهنود كتلتين اقتصاديتين وثقافيتين مؤثرتين.
وقد أفرز هذا التعدد نظامًا سياسيًا يقوم على إدارة التوازنات أكثر من حسم الصراعات، وعلى تقاسم الشرعية أكثر من احتكارها.
في هذا السياق تشكلت تجربة الإسلاميين، ولا سيما الحزب الإسلامي الماليزي PAS، الذي يعد أحد أقدم وأهم الأحزاب الإسلامية الحركية التي اختارت طريق المنافسة الانتخابية والعمل البرلماني بدل المواجهة الثورية أو المسلحة.
منذ تأسيسه سنة 1951، خاض PAS تجربة طويلة اتسمت بـ:

  • تأصيل المرجعية الدينية في المجتمع والسياسة.
  • الصبر التنظيمي الطويل دون استعجال السلطة.
  • الانفتاح التكتيكي على التحالفات السياسية المتناقضة أحيانًا.
    وهذا يميّزه بوضوح عن تجارب إسلامية عربية سعت للسلطة سريعًا قبل استكمال البنية المجتمعية والسياسية.
    وبذلك، فإن تجربة ماليزيا لا تقاس فقط بما حققه الإسلاميون في الحكم، بل بما حافظوا عليه من حضور وبنية واستمرارية رغم تحولات المشهد.
    ثانيًا: الجذور الفكرية والتنظيمية للحركة الإسلامية الماليزية
    يتسم PAS بأنه حركة دعوية – إصلاحية – سياسية تمتد جذورها لمدرسة:
  • الإصلاح الإسلامي في مصر والشام، الأزهر – الأفغاني – عبده.
  • التأثير الفكري الإخواني، وحدة الأمة – مركزية الشريعة.
  • التجربة السلفية الوعظية، التربية وتزكية المجتمع.
  • العرف الماليزي الخاص القائم على الإسلام المحلي المتصالح مع التعدد.
    لم يتحول PAS إلى نموذج أيديولوجي مغلق، بل:
  • حافظ على التدين الشعبي الملايوي.
  • استوعب التعدد الثقافي.
  • تجنّب إنتاج خطاب “الهوية الصدامية”.
    هذا جعله من أقدر التيارات الإسلامية في العالم على الاستمرار داخل الدولة دون مواجهة شاملة مع مكوناتها.
    لكن هذه المرونة جاءت بثمن لاحقًا؛ بطء التطوير الفكري والاقتصادي.
    ثالثًا: مراحل المشاركة في الحكم
    عاشت الحركة الإسلامية الماليزية ثلاث مراحل كبرى:
    مرحلة المعارضة الطويلة 1951–1999
    ركزت على:
  • بناء المساجد والمدارس الدينية.
  • ترسيخ حضور اجتماعي في الريف والمجتمعات المحافظة.
  • صياغة خطاب أخلاقي ضد الفساد والهيمنة العلمانية.
    كانت هذه المرحلة مرحلة تراكم بطيء للشرعية الشعبية.
    مرحلة الحكم التشاركي والدخول في التحالفات 1999–2018
    دخل PAS في تحالفات متعددة:
  • مرة مع أحزاب إسلامية وقومية.
  • مرة مع أحزاب إصلاحية ليبرالية.
  • مرة مع أحزاب الملايو ذات النفوذ التقليدي UMNO.
    هذا التكتيك حقق مكاسب انتخابية، ولكنه:
  • أضعف وضوح المشروع الإسلامي الشامل.
  • أدخل الحزب في مساومات سياسية تؤثر على خطابه وهويته.
    مرحلة الاندماج في الحكم وصراعات ما بعد 2018
    بعد الفوز بتحالف Pakatan Harapan بقيادة مهاتير محمد، أصبح PAS لاعبًا مؤثرًا في الحكومة والبرلمان.
    لكن:
  • الصراعات بين التحالفات.
  • ضغط المكونات العرقية.
  • التنافس على الموارد.
    أدى ذلك إلى تفكك التحالف وعودة الاصطفاف الهوياتي.
    وبذلك بقي الإسلاميون حاضرين، لكن دون تشكيل مشروع دولة شامل.
    رابعًا: عناصر النجاح في التجربة الماليزية
    تستمد تجربة الحزب الإسلامي الماليزي PAS خصوصيتها ونجاحها من توازن دقيق بين الهوية الدينية والمشاركة السياسية العملية.
    فلم يكن بقاؤه الممتد لأكثر من سبعين عامًا نتيجة شعارات أو حشود ظرفية، بل ثمرة تراكم اجتماعي طويل، ومرونة سياسية محسوبة، وقدرة على الاندماج في المجتمع بدل الانفصال عنه.
    ويمكن تحديد ثلاثة أعمدة رئيسية لهذا النجاح.
    أولًا: الحفاظ على القاعدة الاجتماعية والهوية الثقافية
    لم ينشأ PAS بوصفه كيانًا فوقيًا يسعى لقيادة المجتمع عبر فرض نموذج مجرد، بل بوصفه امتدادًا طبيعيًا للثقافة الملايوية المسلمة المحافظة.
    فقد حافظ الحزب على اندماجه العميق في الريف والولايات الشمالية، حيث الهوية الدينية متجذرة لا عبر خطاب أيديولوجي، بل عبر ممارسة بسيطة وقريبة من حياة الناس: المساجد، حلقات التعليم، المجالس المحلية، والمهرجانات الدينية.
    هذا الارتكاز على الهوية الشعبية قبل الهوية الحزبية جعل الحزب جزءًا من “نسيج المجتمع” لا مجرد كيان يسعى إلى كسب الانتخابات.
    وبذلك لم تكن علاقته بقواعده علاقة تعبئة مؤقتة، بل علاقة انتماء ثقافي وعاطفي متجذر، يصعب زعزعته عبر الحملات الإعلامية أو التحولات السياسية.
    ومن هنا، جاء استقرار الحزب الطويل المدى حتى خلال تحولات كبرى شهدتها الدولة الماليزية نفسها.
    ثانيًا: العمل الخدمي والاقتصادي الأهلي
    لم يكتف الحزب بالوعظ والخطاب، بل أسس شبكات خدمية واقتصادية أهلية: مدارس دينية، جمعيات خيرية، صناديق دعم مجتمعي، ومؤسسات تعليمية وصحية صغيرة.
    هذه البنى لم تكن ملحقًا بالعمل السياسي؛ بل كانت مركز الشرعية الذي يربط الحزب بالمجتمع عبر حاجاته اليومية.
    وبهذا تحولت العلاقة بين الحزب والجمهور إلى علاقة منفعة وثقة متبادلة لا تُختزل في موسم انتخابي.
    فالناس رأوا في الحزب جهة تقدم حلولًا ملموسة وواقعية، لا مجرد وعود.
    إن نجاح PAS هنا يشبه “العمل من أسفل إلى أعلى”: بناء المجتمع قبل الدولة، والإنسان قبل السلطة.
    وهذا ما تفتقده كثير من الحركات الإسلامية العربية التي جعلت الحزب أداة للوصول إلى الحكم بدل أن يكون أداة لبناء المجتمع.
    ثالثًا: الاشتباك السياسي دون المواجهة الشاملة
    أدار PAS علاقته بالدولة بمنطق “التدرج لا الكسر”.
    فلم يدخل صدامًا مع النظام، ولم ينخرط في مشروع إسقاط شامل قد يؤدي إلى انهيار المجتمع أو إقصائه هو نفسه.
    بل اختار استراتيجية واضحة:
  • الدخول في التحالفات عندما تفتح هامش تأثير.
  • الانسحاب عندما تهدد هذه التحالفات هويته أو استقلالية قراره.
  • عدم استعجال امتلاك السلطة التنفيذية.
  • تجنب لغة “الدولة الإسلامية الشاملة” غير القابلة للتطبيق في مجتمع متعدد الأعراق.
    هذه المرونة ليست تنازلًا عن الهوية كما يُظن، بل إدارة واعية لمعادلة البقاء والتأثير.
    وهكذا يمكن تلخيص أسباب نجاح الإسلاميين في ماليزيا في معادلة واضحة: قاعدة اجتماعية عميقة + خدمة مجتمعية مستمرة + سياسة تدرجية غير صدامية، مقابل تجنّب الاستعجال، وتجنّب معارك الهوية، وتجنّب الصدام الشامل.
    وبذلك لم ينتصر PAS على الدولة، بل صعد معها. ولم يدخل المجتمع ليعيد تشكيله، بل نشأ من داخله.
    خامسًا: مواطن الإخفاق في التجربة الماليزية
    كما أن تجربة الحزب الإسلامي الماليزي PAS تقدم نموذجًا ناجحًا في الاستمرارية الاجتماعية والتدرج السياسي، فإنها تكشف أيضًا عن مواطن إخفاق عميقة كان لها أثر مباشر على قدرة الحزب على التحول من قوة مجتمعية ثابتة إلى مشروع حكم ورؤية حضارية شاملة.
    وهذه الدروس تمثل أهمية بالغة للحركات الإسلامية العربية التي تتطلع إلى الجمع بين الشرعية الاجتماعية والفاعلية السياسية.
    أولًا: ضعف الرؤية الاقتصادية التنموية
    ظل الخطاب الديني والأخلاقي لدى PAS واضحًا ومتجذرًا، لكنه لم يُترجم إلى رؤية اقتصادية معاصرة قادرة على التعامل مع عالم يقوم على التنافس الصناعي والتكنولوجي وسلاسل القيمة العالمية.
    وبينما تمتلك ماليزيا واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية اندماجًا في السوق الدولية، مع حضور واسع لرأس المال الصيني الهندي، فإن الحزب لم يطوّر أدوات تفاوض اقتصادية قوية تمكّنه من حماية مصالح الملايو المسلمين أو تعزيز استقلالهم المالي.
    بقيت السياسات الاقتصادية للحزب ذات طابع تقليدي، تركز على القروض الصغيرة، العمل الأهلي، وبعض برامج التكافل.
    أما التصور المتعلق بالصناعة، والتكنولوجيا، ورأس المال الإنتاجي، وتنظيم العلاقة مع الشركات الكبرى، فقد ظل غائمًا أو غائبًا.
    وهذا القصور جعل قدرة الحزب على التأثير في السياسات الاقتصادية الوطنية ضعيفة، رغم حضوره الشعبي والسياسي.
    ثانيًا: عدم تطوير خطاب شبابي حضري
    القاعدة الأساسية للحزب كانت في الأرياف والولايات المحافظة، حيث الهوية الدينية أكثر تماسكًا.
    لكن المدن الماليزية الكبرى — كوالالمبور، سيلانغور، بينانغ — تشكل فضاءً ثقافيًا مختلفًا: طبقة وسطى حضرية، خطاب حداثي، جامعات عالمية، احتكاك مستمر بالغرب، وتنافس سياسي يقوم على الكفاءة لا على الهوية.
    لم ينجح PAS في صياغة خطاب قادر على مخاطبة هذا المجال الحضري الحديث، فبدت رسائله أقرب إلى لغة الوعظ الأخلاقي والمحافظة الثقافية، بينما يبحث شباب المدن عن:
  • رؤية اقتصادية تقدم مستقبلًا واضحًا.
  • سياسات عمل.
  • إصلاح إداري.
  • خطاب يستوعب التنوع بدل إدارته بمنطق الحماية.
    نتيجة ذلك، بقي الإسلاميون حركة ريفية قوية، لكنها محدودة التأثير الحضري، وهذا أعاق تحويل النجاح الاجتماعي إلى مشروع دولة شامل.
    ثالثًا: الارتهان لحسابات التحالفات السياسية
    اعتمد PAS على سياسة التحالفات المتعددة والمتغيرة مع أحزاب مختلفة، تصل أحيانًا حد التناقض في البرامج والهويات.
    هذا التكيّف منح الحزب مساحة للحركة وأتاح له المشاركة في السلطة في لحظات معينة، لكنه أدى أيضًا إلى اهتزاز في وضوح خطابه.
    في كل مرة يدخل الحزب تحالفًا، كان يضطر إلى:
  • تخفيض سقف خطابه الإسلامي.
  • أو تعديل أولوياته المرحلية.
  • أو تأجيل طرح رؤيته الإصلاحية الشاملة.
    وبمرور الوقت، تحولت التحالفات من أداة لتحقيق التدرج إلى قيد يحول دون صياغة مشروع وطني جامع.
    ولهذا بقي الحزب لاعبًا ثابتًا في السياسة، لكن دون إنتاج “مشروع دولة” واضح المعالم.
    وهكذا، نجح الإسلاميون في ماليزيا في البقاء، لكنهم لم ينجحوا بالقدر نفسه في التحول إلى مشروع حضاري شامل.
    كان لديهم مجتمع، ولكن لم يكن لديهم اقتصاد حديث.
    وكان لديهم حضور هوياتي، ولكن لم يكن لديهم خطاب وطني جامع.
    وكان لديهم تأثير سياسي، ولكن لم تكن لديهم قدرة على إدارة الدولة كاملًا.
    سادسًا: الدروس الاستراتيجية للحركات الإسلامية العربية
    تقدّم التجربة الماليزية نموذجًا مختلفًا عن تجارب الإسلاميين في مصر، تونس، السودان.
    الدرس هنا ليس في “نسخ النموذج”، بل في استيعاب قواعد البقاء والعمل الطويل.
    أولوية بناء القاعدة الاجتماعية قبل السعي للسلطة
    PAS قضى نصف قرن تقريبًا في:
  • التعليم الديني.
  • الوعظ والإرشاد.
  • تقديم الخدمات الصحية والقانونية.
  • بناء الروابط المجتمعية والاقتصادية.
    بينما كثير من الحركات العربية:
  • استعجلت السلطة.
  • عالجت الدولة قبل المجتمع.
  • وجدت نفسها في مواجهة “مجتمع غير مُهيّأ”.
    خلاصة الدرس: الدولة آخر ما يُبنى، لا أول ما يُنتزع.
    تجنّب تحويل الصراع السياسي إلى معركة هويات
    في ماليزيا، الصراع السياسي لم يصبح صراعًا دينيًا – طائفيًا – وجوديًا.
    حافظ الإسلاميون على:
  • خطاب هادئ.
  • لغة جامعة.
  • تركيز على الأخلاق لا “التخوين”.
    في المقابل، عانت بعض التجارب العربية من:
  • الاستقطاب الحاد.
  • خطاب “الهوية الخالصة”.
  • فقدان القدرة على التحالف الواسع.
    خلاصة الدرس: السياسة فنّ تجميع الناس، لا فرزهم.
    إدارة التحالفات لا الارتهان لها
    التحالفات في ماليزيا كانت أداة لا عقيدة.
    PAS دخل التحالفات:
  • ثم خرج عندما تعارضت مع هويته.
  • دون انشطار داخلي.
  • ودون خسارة قاعدته.
    بينما كثير من الإسلاميين في العالم العربي:
  • دخلوا تحالفات تحت ضغط اللحظة.
  • ثم أصبحوا أسرى لها.
  • ففقدوا استقلالية الخط والوعي.
    خلاصة الدرس: التحالف وسيلة مرحلية لا مشروعًا نهائيًا.
    سابعًا: هل كانت التجربة الماليزية مشروع دولة إسلامية؟
    الحقيقة أنها لم تكن مشروع “أسلمة الدولة” بشكل شامل، بل كانت مشروع:
  • مجتمع مسلم قويّ.
  • داخل دولة مدنية متعددة.
  • يقوم فيها الإسلام بدور المصدر القيمي والرمزي، لا المرجعية الحاكمة في كل التفاصيل.
    هذا النموذج واقعي في السياقات المتعددة، لكنه غير قابل للانتقال الآلي إلى السياقات العربية، حيث الصراع ليس بين مكوّنات داخلية فقط، بل بين:
  • الاستبداد.
  • النفوذ الدولي.
  • التدخل الإقليمي.
  • ذاكرة الغزو الثقافي.
    ثامنًا: أين نجح الإسلاميون في ماليزيا؟
    نجحوا في:
  • البقاء السياسي طويل المدى.
  • الحفاظ على شرعية اجتماعية راسخة.
  • الإسهام في تشكيل الثقافة العامة.
  • إنتاج خطاب أخلاقي مقبول ومحبوب.
    وهذا يجعل التجربة: تجربة استمرارية لا تجربة هيمنة أو وصاية.
    تاسعًا: أين فشلوا؟
    فشلوا نسبيًا في:
  • تقديم مشروع اقتصادي – صناعي – تنموي متماسك.
  • مخاطبة المدن والطبقات الوسطى بخطاب حديث.
  • تطوير مؤسسات فكرية تنتج رؤية استراتيجية للدولة.
    بمعنى: نجحوا في بناء التدين.. ولم يستكملوا بناء النهضة.
    عاشرًا: الخاتمة – نموذج “البقاء مع التأثير” بدل نموذج “الانتصار السريع”
    تقدم ماليزيا درسًا مهمًا للإسلاميين في العالم العربي.
    يمكن القول إن التجارب التي انهارت سريعًا هي تلك التي حاولت القفز مباشرة إلى موقع السلطة قبل أن تبني حضورًا حقيقيًا داخل المجتمع.
    كانت هذه الحركات تدخل المجال السياسي بوصفه ساحة الحسم الأخير، دون أن تسبق ذلك بعملية تراكم طويلة تسمح لها بامتلاك الثقة والقاعدة والوعي العام.
    وفي المقابل، فإن المشاريع التي استطاعت أن تصمد لسنوات طويلة هي تلك التي بدأت من المجتمع نفسه: من الفصول والمساجد والمدارس والجمعيات والنقابات، ثم صعدت تدريجيًا إلى المجال العام والسياسة، خطوة خطوة، دون استعجال.
    كما اتضح أن الحركات التي خاضت معركة هوية شاملة منذ اللحظة الأولى، ورفعت شعارات كبرى تصادم المجتمع والدولة معًا، كانت أكثر تعرضًا للانقسام والعزلة والمواجهة.
    بينما نجحت المشاريع التي ركزت في بدايتها على بناء الأخلاق، وتقديم الخدمة الاجتماعية، وترسيخ التربية والمعنى، لأن المجتمع قبلها قبل أن يصل خطابها إلى موقع السلطة.
    أما على مستوى اللغة والخطاب، فقد دلّت التجارب على أن الخطاب الحاد، الصدامي، المعبّأ بالحدود الفاصلة والاصطفافات المتوترة، قد يحقق تعبئة سريعة، لكنه لا يبني حضورًا اجتماعيًا مستقرًا.
    بينما استطاع الخطاب الهادئ، التدرجي، الذي يتعامل مع السياسة بوصفها فن الممكن، ومع المجتمع بوصفه حاضنة يجب كسبها لا هزيمتها، أن يترك أثرًا أعمق ويبني مسارًا أطول مدى.
    الدرس الكبير: الحكم ليس هدفًا، بل نتيجة لكتلة مجتمعية واعية وقادرة وراسخة.
    ومعنى ذلك في السياق العربي بعد طوفان الأقصى:
  • العودة إلى بناء الإنسان قبل الدولة.
  • العمل على المجتمع قبل البرلمان.
  • تأسيس اقتصاد تضامني قبل السلطة التنفيذية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى