مقالات وآراء

د. عمرو درّاج يكتب : حول ردود الأفعال المبدئية على اتفاق وشيك حول إعلان نوايا بين أمريكا وإسرائيل

الحديث الذي يتردد طوال الليلة الماضية يتعلق بالتوصل لاتفاق حول إعلان مبادئ بين الولايات المتحدة وإيران لازالت كل تفاصيله لم تتكشف بعد، حيث أن الطرف الأمريكي يأمل في الإعلان عنه رسميًا الأحد بتوقيت واشنطن.

إلا أن ما تسرب عما تم الاتفاق عليه كان كافيًا لإثارة الكثير من الغضب والإحباط لدى صقور المحافظين الجدد الداعمين لإسرائيل في واشنطن، فضلًا عن الأصوات الإسرائيلية نفسها، والذين كانوا يمارسون أعلى درجات الضغط على الرئيس ترامب لعدم توقيع مثل هذا الاتفاق والمضي قدمًا في توجيه ضربة ساحقة لإيران (راجع مثلًا مقال روبرت كاجان الذي نشرناه بالأمس على قناة المعهد).

بمجرد بدء ظهور أنباء عن التوصل لاتفاق، إنبرى عدد من هؤلاء بالتعبير عن مواقفهم بنشر تغريدات تعبر عن صدمتهم جراء ذلك، من ذلك ما نشره السيناتور الأمريكي ليندساي جراهام، والسيناتور تيد كروز، ووزير الخارجية الأسبق مايك بومبيو، و داني سيترينوفيتش كبير الباحثين في معهد آبا إيبان للدبلوماسية الدولية في إسرائيل، وغيرهم.

مؤدى الحديث كان عن أن مثل هذا الإتفاق يمثل هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة، ونصرًا استراتيجيًا لإيران، وتهديدًا خطيرًا لأمن إسرائيل وأجندتها في المنطقة. يعود ذلك بالأساس، طبقًا لهؤلاء، إلى أن الاتفاق يشكل استسلامًا أمريكيًا بقبول الموقف الإيراني بوقف الحرب وفقًا لالتزامات وضمانات واضحة، دون تحقيق أيًا من الأهداف التي تم شن الحرب من أجلها، فلماذا كان شن الحرب اذن؟

يبني هؤلاء استنتاجهم على أن ما حدث هو مجرد رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية مقابل فتح مضيق هرمز للملاحة، الذي كان مفتوحًا أصلاً قبل الحرب، وهو ما تستطيع إيران إعادة غلقه والتحكم في المرور به في أي وقت، ما يشكل ورقة تفاوضية إيرانية جديدة لم تكن موجودة من قبل.

إيران بموجب الإتفاق ستحصل أيضًا على وقف الحرب على حزب الله في الجبهة اللبنانية، وهو ما يشكل ضربة لمساعي إسرائيل في القضاء على الحزب ونزع سلاحه.

ستحصل إيران كذلك على قدر معتبر من أموالها المجمدة، قد يصل إلى 25 مليار دولار، وهو ما سيقوي كثيرًا من وضعها الإقتصادي، خاصة في ضوء السماح الجزئي لإيران ببيع بترولها. الملف النووي لم يجري أي تفاوض حوله، سواءً عن تسليم اليورانيوم المخصب أو وقف التخصيب تمامًا أو الالتزام بعدم إنتاج سلاح نووي في المستقبل، ولم يتم الحصول إلا على التزامات شفهية تناقش تفاصيلها أثناء عملية التفاوض التي ستستمر خلال نحو 60 يومًا، لا يوجد أي ضمان أن يتم التوصل خلالها لاتفاق، وهو الوضع الذي كان واقعًا قبل الحرب. وحتى في حال الوصول لاتفاق فإنه سيكون في أفضل الإحوال مماثلًا للاتفاق السابق مع أوباما، والذي ألغاه ترامب، مضافًا إليه أوراقًا تفاوضية إيرانية جديدة.

ما تسرب من اتفاق، كما يقول هؤلاء المعلقين، لا يوجد فيه أي حديث عن القدرات الصاروخية الإيرانية، ولا عن قطع علاقات الدعم الإيراني لحلفائها في المنطقة، ولا عن تغيير النظام الحاكم أو تغيير سلوكه………وهو كل ما كان يتحدث عنه ترامب ووزيرا حربه وخارجيته عن الخطوط الحمراء الأمريكية. وحتى الحديث عن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، والذي لايبدو أنه كان صحيحًا بشكل كامل، فما هي قيمته إذا كانت إيران قد استطاعت بما لديها من أدوات أن تصمد أمام الإعتداء الأمريكي والإسرائيلي، وتفشل أهدافهما السياسية، وتخرج في وضع أفضل كثيرًا مما كانت عليه؟

فضلًا عن الخسائر الاستراتيجية على إسرائيل من جراء هكذا اتفاق، كما يقول معارضوه، فإنه يشكل ضربة قوية لنتنياهو شخصيًا وأجندته المستقبلية، خاصة وهو على أعتاب انتخابات عامة جديدة.

ردود الفعل التي استعرضناها هنا، يظهر منها أن الموضوع لا يمكن اعتباره منتهيًا، في ضوء إعتراضات إسرائيل واللوبي النافذ الداعم لها في واشنطن. لذلك نتوقع أن يسعى هؤلاء لتخريب الإتفاق، وإفساد نتائجه، واختلاق الأعذار لإشعال الحرب مرة أخرى، خاصة وأن ما يشار له في الإعلام “كإتفاق”، ليس في واقع الأمر كذلك، فلا يوجد اتفاق حقيقي على أي من نقاط الاختلاف التي أدت لاشعال الحرب، ولم يترتب علي الحرب مستوى الفوضى الشاملة الذي كان يطمح له هؤلاء لتغيير طبيعة القوى والنفوذ في المنطقة، فبدلًا من إعداد المسرح لتسليم المنطقة لإسرائيل، تخرج إيران أكثر نفوذًا وقوة مما كانت.

ما سيرشح عن إعلان النوايا هذا إن تم، هو خروج إيران في وضع أقوى وأكثر صلابة كثيرًا من وضعها قبل 28 فبراير، مع المزيد من التراجع في النفوذ والتأثير الأمريكي العالمي، والذي يمكن أن تحاول تعويضه بمغامرات عسكرية أكثر سهولة في كوبا أو جرينلاند، على ألا يستبعد اندلاع جولة جديدة من الحرب على إيران عندما تنضج الأسباب لذلك مرة أخرى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى