مقالات وآراء

عمرو هاشم ربيع يكتب : لماذا تتعمد الحكومة في مصر التغيب عن جلسات البرلمان؟

حتى في النظم السياسية، التي يُعتقد أنها تقوم بالأساس على نظرية الفصل بين السلطات، فإن الحكومة والبرلمان يُفترض أنهما متعاونان إلى أقصى درجة، وذلك لمصلحة الحكم والشعب، كافة النظم السياسية المتمدينة، وذات العراقة الديمقراطية، تتواجد الحكومات داخل البرلمانات بشكل دائم ومستمر.

فحضور الحكومة ممثلة في وزرائها إلى البرلمان، سواء من خلال جلساته العامة، أو عبر حضور اجتماعات لجانه النوعية، الموضوعية والقطاعية، يُشكل ضرورة مهمة، ليس فقط لإنجاز عديد المهام المادية، سواء كانت تشريعية أو رقابية، بل وأيضا لإنجاز مهام معنوية كثيرة، ممثلة في كون البرلمان محط الشرعية ووسيلة من وسائل التجنيد السياسي.

عزوف وغياب وزراء الحكومات المصرية عن حضور جلسات البرلمان

على العكس من كل ذلك، نرى عزوفا من قبل وزراء الحكومات المصرية عن حضور جلسات البرلمان، العزوف ليس وليد اليوم، إذ إنه دائما ما اتضح في الصورة العامة للجلسات، التي أصبح غير مسموح للإعلام المرئي أن يغطيها، كما كان يحدث في بعض الأوقات سواء على الهواء مباشرة كما كان الحال خلال العام الذي حكم فيه الإخوان المسلمون البلاد، أو من خلال تخصيص محطة تلفزيون لذلك الغرض، عبر عرض تسجيلات أو مقتطفات، كما كان يحدث إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.

غياب الوزراء لم يكن ملحوظا فقط نتيجة شكوى النواب، وهو ما اتضح على سبيل المثال منذ أيام قليلة، عندما اشتكى أكثر من نائب من عدم حضور الوزراء لمجلس النواب، بل إنه ظهر أيضا في تململ رئيس المجلس كما ظهر في جلسة يوم 22 أكتوبر 2018، عندما ذكر رئيس البرلمان د. علي عبد العال “أن حضور الوزراء في المجلس قد تدنى مستواه، حتى أصبح وجود موظفين إداريين يحلون محلهم هو سمة في بعض الحالات”.

إدراك سلبي للوزراء لدور البرلمان

واحد من أهم أسباب حضور الحكومات ـ بشكل عام ـ إلى البرلمان هو متابعة النقاش ومعرفة الاتجاهات والميول والمزاج العام للسلطة التشريعية في البلاد، وهو أمر يُعبر عن إدراك لحجم تلك المؤسسة ومدى قدرتها على التعاطي بالتعاون أو المواجهة مع الحكومة.

بعبارة أخرى، يكون هناك وعي لدى الحكومة حول: هل تبدي تعاونا مع السلطة التشريعية، فيُرد لها ذلك بقدر أفضل من التعاضد، أم تتعامل الحكومة بندية مع البرلمان، فيكون هناك قدر من المجابهة والغلظة التشريعية، ويُصبح التعامل مع الحكومة يتسم بالفظاظة؟

في الحالة المصرية، يُدرك الوزراء كما تدرك القوى السياسية غير الرسمية من أحزاب وإعلام ومجتمع مدني، أن العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية تتسم بالخلل الهيكلي لصالح الأولى.

فالسلطة التشريعية صلاحياتها محدودة، ورغم كثرة تلك الصلاحيات في دستور 2012 المعدل مقارنة بدستور 1971 المعدل إبان نهاية حكم مبارك، فلا تزال تلك الأخيرة يتسم أداؤها بالخنوع، بل والجثو أمام السلطة التنفيذية.

بعبارة أخرى، فإن السلطة في مصر التي اعتادت المركزية الشديدة، تعامل كل أطراف العملية السياسية الرسمية، البرلمان والقضاء، وغير الرسمية، الأحزاب والإعلام والمجتمع المدني، بنوع من التعالي منها ودونية وعدم كفاءة وعجز الطرف الآخر.

انتخابات 2025 / 2026 حسمت رؤية الحكومة لأعضاء البرلمان

وإذا أضيف لكل ما سبق، ما يتسم به البرلمان هذه المرة مقارنة بالبرلمانات السابقة لأدى ذلك إلى فهم تصرف سلوك الحكومة، في إدراكها لطبيعة المؤسسة التي تتعامل معها، فهي مؤسسة مؤلف أغلبها من أحزاب أربعة، أنشأتها في النهاية، وربما تديرها جهات أمنية تابعة للسلطة التنفيذية، وهي ناتجة عن انتخابات مشكوك في جديتها بشكل غير مسبوق.

ما اتضح كذلك في التدخل الرئاسي ـ والأحكام القضائية ـ الذي أفضى لإعادة الانتخابات في عشرات الدوائر الانتخابية، من ناحية أخرى، أن ما شاهدته انتخابات البرلمان من عجز فاضح من قبل الهيئة الوطنية للانتخابات عن التعامل بحيادية مع أطراف العملية الانتخابية قبل التدخل الرئاسي لإصلاح ما تم إتلافه، وتدني نسب الاقتراع التي وصلت في عشرات الدوائر لأدنى من 5%، هو أبلغ دليل على أن تلك الانتخابات يشوبها أكثر مما يميزها من صفات النزاهة والحياد.

وكل ما سبق ربما يهون أمام المال الانتخابي الفاضح، الذي دفعه المرشحون؛ جراء انضمامهم لما سمي بـ”القائمة الانتخابية الوطنية من أجل مصر”، حيث دفع هؤلاء الملايين جهارا نهارا نظير قبول كتابة أسمائهم في القوائم الأساسية وأسماء أبنائهم وأشقائهم في القوائم الاحتياطية، في فساد بيّن أزكم الأنوف وصم الآذان وأَسن المذاق وعقد وأخرس الألسنة.

وإذا أضيف إلى كل ما سبق نظام الانتخاب بالقوائم المطلقة، الذي عُد تزويرا فاضحا لإرادة الناخبين في نصف مقاعد البرلمان، لكونه منح القائمة الفائزة بـ51% من أصوات “الموالاة” إن جاز التعبير الـ49% الباقية من أصوات المعارضة، ما جعلها تحصد 100% من المقاعد، ناهيك عن أنها انتخابات غير تنافسية، جرت لقائمة واحدة، بعد أن رفضت الهيئة الوطنية للانتخابات بلا أي مبرر سياسي مقبول إشراك منافسين لتلك القائمة في الانتخابات.

كل ما سبق يفسر نظرة الحكومة لمجلس النواب، دون أي عجب في ذلك.

نواب يركضون على مكاتب الوزراء كأعضاء المجالس المحلية

من هنا فلا فائدة مرجوة من هذا البرلمان في نظر الحكومة، وفي نظر الوزراء بحكم الأمر الواقع، حتى لو قال الوزراء في العلن غير ذلك.

وكيف لا وقد شاهد الوزراء بأم أعينهم الكثير من أعضاء البرلمان يركضون على مكاتب الوزراء، وربما يجثون طمعا في تأشيرة هذا الوزير أو ذاك، طلبا لوظيفة أو نقل أو ترقية ناخب، أو على أفضل حال أملا في سفلتة طريق أو إنشاء معهد أو مصحة، أو أمور تخص توزيع الأسمدة في جمعيات زراعية أو إنشاء مدرسة أو ترميم مسجد أو خلافه في هذا النجع أو الكفر أو ما شابه.

كيف لوزير أن يرجى منه أن يُوقع على طلب لنائب، يميزه عن غيره من طلبات الناس لكونه نائب، كيف له أن يحترم هذا النائب أو أن ينظر للجهة التي ينتمي إليها نظرة جادة، تبعث على الاحترام والهيبة؟

وكيف للنائب أن يطلب منه ضميره، أن يقوم بأداء مهامه التشريعية والرقابية قِبَل الوزير، وهو بالأمس كان يقف على بابه راجيا توقيع أو تأشيرة تخصه وناخبيه أو في أفضل الأحوال دائرته؟

بعبارة أخرى، كيف له أن يترجاه بالموافقة، ثم يقوم في ذات الوقت بمحاسبته؟

ما يقوم به الأعضاء، ربما يتلمس لبعضهم العذر؛ بسبب سياسة الحكومة التي لم تقم عقب عقد ونيف من حل المجالس المحلية بتأسيس مجالس محلية منتخبة جديدة، ما جعل أعضاء مجلس النواب يحلون محل أعضاء تلك المجالس، في الطلب من الحكومة خدمات الكثير منها خاص والقليل منها يخص الدوائر.

لو كان المجلس قويا حقا لسن قانون المجالس المحلية رغما عن الحكومة، ولأتى بها صاغرة إلى البرلمان تحبو، كما تفعل برلمانات الدول المتمدينة مع حكوماتها، من أجل الموافقة على الموازنة أو حساب ختامي أو تغير من سياساتها الضريبية أو تزجرها في مسألة أولويات التنمية أو المديونيات الخارجية التي أفضت لمليارات الدولارات، أنفق أغلبها في طرق ومحاور مرورية أو مبانٍ وعواصم ومصايف، مقابل تدني الإنفاق على التعليم والصحة.

لا زال الأمل قائما

ورغم كل ذلك، لا زال الأمل قائما في أن تتعامل الحكومة مع البرلمان بقدر معتبر من الندية.

هنا من المهم الإشارة إلى أن وجود المجالس المحلية أمر مهم، وتعديل نظام انتخابات البرلمان أمر أهم، وتفعيل أداء ومهام مجلس النواب الرقابية، خاصة في مسألة استجواب الحكومة وتأسيس لجان تقصي حقائق؛ لمتابعة نواكب ترتكب يوميا في الشؤون الزراعية والصناعية والتجارية والخدمية أمر جد وعظيم.

يجب أن نتذكر جميعا، يوم أن فاجأ نواب مجلس شورى النواب ـ في سبعينيات القرن قبل الماضي ـ وزير وموظفي وزارة المالية إبان عصر الخديوي إسماعيل لتفتيش الدفاتر بأم أعينهم.

يجب أيضا أن نتذكر يوم أن رجى الخديوي إسماعيل نفس المجلس للموافقة على دعم مالي للجنود المصريين خارج البلاد في مهمة ترتبط بفتوحات خارجية.. هل قريبا ستعود تلك الأيام؟ عسانا نراها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى