شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: علاء الأسواني… يوم مولده . وجوه لا تغيب – علاء الأسواني (٣–٣) .سبعون عامًا…وما زالت مصر تمشي في صوته

بعد ساعات قليلة، من اليوم
(السادس والعشرين من مايو)
، يستقبل علاء الأسواني عامه السبعين.

سبعون عامًا، لم يعشها الرجل على هامش الحياة،
بل في قلبها تمامًا، بين الأدب والسياسة، وبين العيادة والميدان، وبين الرواية والناس، وبين مصر التي أحبها كما يحب الابن أمه رغم ما أورثته له من جينات التعب والحنين، والخيبات التي لا تنتهي.

بعض الكتاب يشبهون العابرين في محطات القطارات، يمرّون سريعًا، يلوحون بأيديهم، ثم يختفون في ضباب الزمن.
بعضهم يبقى، لا لأن صوره معلقة في الصحف،
بل لأن صوته يظل عالقًا في ذاكرة المدن.
دكتور علاء الأسواني من هؤلاء الذين لا يغادرون المشهد بسهولة، كاتبا ترك على جدران القاهرة ظلالًا طويلة من الحكايات، حتى صار يصعب أحيانا التمييز بين مصر التي عاشها، ومصر التي كتبها.

في ذكرى ميلاده،
لا يبدو الحديث عن دكتور علاء الأسواني مجرد احتفاء بروائي شهير، بل استعادة لصوت إنساني جعل القاهرة بطلة من لحم وناس ودم ، مدينة تتنفس داخل رواياته، وتبكي وتغضب ،وتحب، كما لو أنها امرأة مصرية مسنه تجلس في شرفة مطلة على النيل، تراقب أبناءها وهم يبتعدون واحدا بعد الآخر.

لم تأتِ الثورة إلى الأسواني فجأة، ولم يذهب إليها بوصفها موضة سياسية ،أو فرصة للظهور.
الحقيقة أن يناير كانت تسكن كتاباته قبل أن تسكن الميادين.
الغضب الصامت للطبقة الوسطى، الإحساس العام بالإهانة، فساد السلطة، القهر الاجتماعي، الخوف الذي يختبئ داخل البيوت، كلها كانت تتسلل مبكرًا إلى رواياته ومقالاته، حتى بدا كأنه يلتقط ارتجافات المجتمع قبل أن يتحول الارتجاف إلى زلزال.

وحين خرج المصريون إلى الشوارع، لم يكن علاء الأسواني يحتاج إلى إعادة تعريف نفسه.
الناس كانت تعرفه بالفعل ، بعضهم من «عمارة يعقوبيان»، وبعضهم من مقالاته، وبعضهم من مواجهته مع شفيق ، وبعضهم من ندواته، حيث جلس لسنوات يناقش المصريين في السياسة والأدب والحلم .

أتذكر أن كثيرًا من الشباب الذين حضروا تلك الندوات كانوا ينظرون إليه بوصفه نموذجا للمثقف الذي لم ينفصل عن الناس.
لم يكن يتحدث من فوق منصة متعالية، ولم يكن يقدّم نفسه باعتباره مالكًا للحقيقة المطلقة. كان يدخل في النقاشات بعقل الكاتب لا بعقل المسؤول، وربما لهذا السبب أحبه جيل كامل كان يبحث عن صوت مختلف وسط ضجيج الشعارات .

جاءت مواجهته الشهيرة مع أحمد شفيق على شاشة ON.TV بعد الثورة كأنها لحظة مكثفة لزمن كامل.
ملايين المصريين كانوا يشاهدون للمرة الأولى مثقفًا يجلس وجهًا لوجه أمام رجل دولة، يسأله بلا خوف، ويعبر عن غضب الناس بلغة حادة.
لم يكن المشهد مجرد حوار تلفزيوني، بل كان صورة رمزية لتحول كبير عاشته مصر في تلك اللحظة
لحظة شعر فيها المواطن العادي أن الكلمة يمكن أن تجلس، للمرة الأولى منذ زمن طويل، على الكرسي المقابل للسلطة دون أن ترتجف.

وربما لهذا السبب أيضًا أثار علاء الأسواني كل هذا الجدل.
فالمجتمعات التي تعيش أزمات عميقة لا تحب دائمًا الأصوات الواضحة. بعض الناس (وأنا منهم)
أحبوه بشدة، وبعضهم ضاق به وبمواقفه وصراحته، لكن أحدًا تقريبًا لم يستطع التعامل معه كصوت هامشي عابر.

شخصيًا، ربما اختلفت بصمت معه في بعض المواقف، واتفقت معه في الكثير ، لكنني ظللت أرى فيه دائما قيمة نادرة في المجال العام .
رجل يقول ما يؤمن به دون حسابات او لغه معقدة، ودون مهارة زائدة في المواربه او تغيير الأقنعة.
و لهذا أقولها الآن بصدق كامل:
قد لا تحب علاء الأسواني… لكنك إن كنت منصفًا، فلا أقل من أن تحترمه.

انا شخصيا احبه واحترمه لأنه لم يتعامل مع الأدب باعتباره مهنة للزينة الاجتماعية، أو طريقًا سريعًا إلى الشهرة، بل باعتباره مسؤولية أخلاقية وإنسانية.
أحبه واحترمه لأنه، حتى في أكثر لحظات النجاح العالمي، لم يتخلَّ عن انشغاله بمصر وبالناس العاديين الذين خرجت منهم شخصياته في رواياته.

الكتابة عند الدكتور علاء الأسواني لم تكن يومًا مجرد حرفة، يجيدها ويدرسها في جامعات كبري،ودورات هامه ،بل كانت مرآة وجرس إنذار معًا؛
تضيء وتُقلق، تفتح الجراح ولا تدعي القدرة على شفائها، لكنها ترفض الاستسلام لفكرة أن هذا الخراب قدر أبدي. وربما لهذا بدا أدبه دائمًا منحازًا للحياة، حتى وهو يكتب عن الانكسارات؛ كمن يزرع وردة صغيرة في شق جدار يعرف جيدا أنه يتداعى.

العالم عرف علاء الأسواني عبر ترجمات رواياته إلى عشرات اللغات، وعبر الجوائز التي حصدها من باريس وتورينو وبرلين وشيكاغو ومونتريال.
لكنني أظن أن أهم ما حققه الرجل لم يكن جائزة أدبية ولا تكريمًا دوليًا، بل تلك العلاقة الخاصة التي نشأت بينه وبين القارئ ، علاقة مبنية على شعور نادر بالصدق.

خلال السنوات الأخيرة، تكررت تساؤلات كثيرة في الأوساط الثقافية العربية والعالمية:
هل يمكن أن يصل اسم علاء الأسواني يومًا إلى جائزة نوبل؟
ولا أخفي أنني كنت، كلما سمعت هذا السؤال، أفكر بطريقة مختلفة قليلًا. بعض الجوائز تكبر بالأسماء التي تقترن بها، وبعض الأسماء تصبح أكبر من أي جائزة. وجائزة نوبل للأدب، بكل رمزيتها ومكانتها، سوف تكتسب بلا شك مزيدًا من الوهج إن اقترن بها اسم علاء الأسواني، لكنني لا أظن أن اسم علاء الأسواني نفسه يحتاج كثيرًا إلى هذا الاقتران كي يكتمل حضوره أو قيمته.

لا أذكر أن الأدب العظيم جاء يوما نتيجة مطاردة الجوائز أو السعي المحموم إليها.
الجوائز الحقيقية تذهب غالبا، في لحظتها المناسبة، إلى أولئك الذين كانوا مشغولين بالكتابة أكثر من انشغالهم بالمنصات والجوائز والاحتفالات.
وربما لهذا السبب بالتحديد بقي اسم علاء الأسواني حاضرًا في النقاشات الثقافية الكبرى، بوصفه كاتبًا استطاع أن يمنح الرواية العربية مساحة أوسع في الوعي العالمي، لا باعتبارها أدبًا محليًا ضيقًا، بل باعتبارها شهادة إنسانية كاملة على عصر مضطرب.

لم يكتب كمن يؤدي واجبًا ثقافيًا، بل كمن يحاول فهم البشر وإنقاذ ذاكرتهم من الضياع.
ولذلك شعر كثيرون أن شخصياته ليست شخصيات روائية فقط، بل وجوه حقيقية قابلوها في الشارع أو في البيت أو في المصعد أو في مقهى قديم من مقاهي القاهرة.

بقيت مصر ،بطلة أعماله الكبرى حتى وهو بعيد عنها.
شوارعها، بناياتها القديمة، لهجتها، أحزانها، طبقتها الوسطى التي تتآكل ببطء، موظفوها المنهكون، نساؤها القويات، وشبابها الذي يحاول النجاة من الإحباط،
كل ذلك ظل حاضرًا في كتاباته كأن مصر تمشي داخله أينما ذهب.

وربما لهذا السبب تحديدًا نجح عالميًا.
فالعالم لا يحب النسخ المقلدة، بل يحب الأصوات التي تحمل رائحة أماكنها الحقيقية.
وعلاء الأسواني حمل مصر معه إلى العالم دون أن يحوّلها إلى بطاقة سياحية أو صورة فولكلورية باردة.

حتى عيادته الصغيرة في جاردن سيتي ،بقيت جزءًا من صورته الإنسانية.
طبيب أسنان يجلس نهارًا مع مرضاه، ثم يعود ليلًا ليكتب عن مجتمع كامل يتألم أكثر من أي عصب ملتهب.
كان يبدو أحيانًا كأن الطب والأدب عنده مهنة واحدة؛ محاولة لتخفيف الألم، بطريقته.

لهذا السبب تحديدًا كتبت هذه “الثلاثية” عن علاء الأسواني.
لا لأنه روائي شهير ، ولا لأنه أصبح اسما حاضرًا في المشهد الثقافي والسياسي ، بل لأن بعض البشر يتحولون، مع الزمن، إلى جزء من ذاكرة جيل كامل. يختلف الناس حولهم، يتجادلون بشأنهم، يغضبون منهم أحيانًا، لكنهم يبقون، رغم كل شيء، حاضرين في الوعي العام كعلامة على زمن كامل لا يمكن محوه بسهولة.

كتبت عنه لأنني رأيت، عبر سنوات طويلة، كيف استطاع أن يجعل الأدب قريبًا من الناس،
وكيف تحولت الرواية عنده إلى مساحة لفهم مصر لا للهروب منها.
وكتبت عنه أيضًا لأنني أعرف، كما يعرف كثيرون، أن الذين دفعوا أثمانًا من أعمارهم وأرواحهم في سبيل الكلمة الحرة، يستحقون دائمًا أن يُروى شيء من حكايتهم بمحبة وإنصاف.

من إسطنبول -التي أكتب منها الآن- إلى نيويورك التي أكتب إليها هذه الكلمات،
تبدو المسافات أحيانًا أقل قسوة من الغربة نفسها.
الغربة يا دكتور علاء
ليست فقط أن تبتعد عن وطنك، بل أن تحمل وطنك معك ،أينما ذهبت؛ أشعر مثلك بمرارة الاشواق للوطن
في رائحة القهوة،
وفي لهجة الناس التي تفتقدها،
وفي شارع يشبه شارعًا قديمًا مررت به يومًا،
ثم تمضي بقية الليل تحاول الهروب من ذاكرة لا تريد أن تهدأ.

أعرف، كما تعرف أنت، أن المنافي ليست فقط جغرافيا.
أحيانًا يعيش الإنسان غريبًا داخل وطنه، وأحيانًا يحمل وطنه فوق كتفيه من مطار إلى مطار،
و كأن البلاد تحولت إلى حقيبة يد ، لا يجرؤ على تركها بعيدًا عنه.
وربما لهذا السبب تحديدًا ظلّت مصر حاضرة في كتاباتك بكل هذا الدفء والوجع؛ لأن البلاد التي نبتعد عنها قسرًا، لا تغادرنا أبدًا، بل تسكننا أكثر كلما ابتعدنا.

أكتب إليك من إسطنبول، وأنت هناك في نيويورك، وأشعر أن ما بين المدينتين ليس بحرًا ولا طائرات ولا خرائط، بل شيء واحد فقط اسمه مصر.
تلك البلاد التي أتعبتنا، لكننا، رغم ذلك، لم ولن نتعلم كيف نتوقف عن حبها.

سبعون عامًا يا دكتور علاء…
أتمنى لك سنوات قادمة هادئة تشبه ضوء القاهرة القديم قبل الزحام، وصحة لا تُهزم بسهولة، وقلبًا يبقى قادرًا على الدهشة ، رغم كل ما رآه من انكسارات البشر وتقلبات السياسة.
أتمنى أن تظل قادرًا على الكتابة بنفس الشغف الأول؛ شغف ذلك الفتى الذي كان يرى في الحكاية محاولة لإنقاذ العالم، من قسوته.
أتمنى أن تبقى كلماتك قادرة على العبور من الكتب إلى القلوب، وأن يظل القراء يجدون في سطورك شيئًا يشبههم، ويشبه خوفهم، وأحلامهم الصغيرة التي يحاول هذا الزمن سحقها كل يوم.
أتمنى أن يمنحك العمر ما يكفي من الطمأنينة بعد كل هذا الصخب،
وما يكفي من المحبة بعد كل هذه المعارك، وما يكفي من السلام الداخلي لتجلس ذات مساء وتبتسم لأنك، ببساطة، لم تخن صوتك يومًا.
وأتمنى، فوق كل شيء، أن تبقى مصر حاضرة في قلبك كما بقيت حاضرًا في ذاكرتها؛ لأن المدن، مهما قست، لا تنسى الذين كتبوها بمحبة حقيقية.

لذلك، بينما تستقبل عامك السبعين، لا يبدو الأمر مجرد احتفال بعيد ميلاد روائي كبير، بل احتفال بجيل كامل رأى فيك شيئًا من نفسه، وشيئًا من مصر التي أحبها رغم كل ما فعلته بأبنائها.

قالوا عنه:

قال عنه الروائي السوداني الطيب صالح:
«الرواية عند علاء الأسواني ليست ترفًا لغويًا، بل شهادة حية على زمن كامل».

وقالت صحيفة نيويورك تايمز:
«نجح الأسواني في أن يجعل الرواية العربية جزءًا من المشهد الأدبي العالمي».

أما الروائية التركية إليف شافاق فقالت:
«في كتابات علاء الأسواني دفء إنساني يجعل القارئ يشعر أن القاهرة مدينة يعرفها منذ زمن».

وأقول عنه:

يا دكتور علاء…
ثمة رجال يكتبون الروايات، وثمة رجال تتحول حياتهم نفسها إلى رواية طويلة تمشي بين الناس.
أظنك كنت من هؤلاء الذين حملوا القاهرة فوق أكتافهم، ثم ساروا بها في شوارع العالم دون أن تسقط منها رائحة الخبز القديم أو صوت الباعة أو دمعة الطبقة الوسطى المصرية.
قد تتعب المدن من سكانها، لكن القاهرة تبدو، كلما ذُكر اسمك، كأنها تستعيد شيئًا من شبابها القديم.
وحين يهدأ ضجيج هذا الزمن يومًا، سيبقى ما كتبته شاهدًا على أنك حاولت، بكل ما أوتيت من حبر ووجع ومحبة، أن تجعل الحياة أقل قسوة مما وجدتها عليه.

بعض الوجوه تبهت مع الزمن، وبعضها يزداد وضوحًا كلما مرّت السنوات.
وكان علاء الأسواني، وسيظل، واحدًا من تلك الوجوه التي لا تغيب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى