ذاكرة التاريخمصرملفات وتقارير

تنازل فاروق عن العرش: وثيقة نادرة من “الوقائع المصرية” توثق نهاية الملكية

في وثيقة تاريخية نادرة، نشرت جريدة “الوقائع المصرية” الرسمية، في عددها رقم 113 غير الاعتيادي، الصادر يوم السبت 26 يوليو 1952 الموافق 4 ذي القعدة 1371 هجريًا، نص الأمر الملكي رقم 65 لسنة 1952، القاضي بتنازل الملك فاروق الأول عن عرش مصر والسودان لولي عهده الأمير أحمد فؤاد. جاء هذا الأمر بعد ثلاثة أيام فقط من حركة الجيش التي قادها الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952، والتي غيّرت مسار التاريخ الحديث لمصر بشكل جذري.

نص الأمر الملكي كما ورد في الوثيقة

حملت الوثيقة نصًا موقعًا باسم الملك فاروق جاء فيه: “نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان، لما كنا نتطلب الخير دائمًا لأمتنا، ونبتغي سعادتها ورقيها، ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة، ونزولًا على إرادة الشعب، قررنا النزول عن العرش لولي عهدنا الأمير أحمد فؤاد، وأصدرنا أمرنا بهذا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا رئيس مجلس الوزراء للعمل بمقتضاه”. وقد صدر هذا الأمر بقصر رأس التين في الإسكندرية، وحمل توقيع الملك فاروق نفسه.

جاء تنازل الملك في سياق ضغوط سياسية وعسكرية متصاعدة، إذ تولى علي ماهر باشا رئاسة الوزراء في تلك الفترة الحرجة، وكان الأمر الملكي موجهًا إليه مباشرة للعمل بمقتضاه، ما يعكس الطابع الرسمي والدستوري الذي حاول القصر الحفاظ عليه رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد آنذاك.

مغادرة الملك ونهاية حقبة أسرة محمد علي

في اليوم نفسه الذي صدر فيه الأمر الملكي، غادر الملك فاروق مصر عبر ميناء الإسكندرية على متن اليخت الملكي “المحروسة”، متجهًا إلى إيطاليا، في مشهد وُصف بأنه إغلاق رسمي لفصل طويل من حكم أسرة محمد علي باشا التي حكمت مصر منذ عام 1805. وتولى بعده رسميًا الأمير أحمد فؤاد الثاني، وهو طفل رضيع آنذاك، العرش بشكل صوري لفترة قصيرة قبل أن يُعلن قيام النظام الجمهوري في مصر رسميًا في يونيو 1953.

تمثل هذه الوثيقة، المحفوظة في أرشيف “الوقائع المصرية”، أحد أهم المستندات الرسمية التي توثق اللحظة الانتقالية بين حقبتين مختلفتين تمامًا في تاريخ مصر الحديث: من نظام ملكي وراثي استمر لأكثر من قرن ونصف، إلى نظام جديد أرسته حركة الجيش في 23 يوليو 1952 بقيادة مجموعة من الضباط الأحرار.

دلالات الوثيقة التاريخية

يرى مؤرخون أن صدور الأمر الملكي بهذه الصيغة الرسمية، ومروره عبر القنوات الدستورية التقليدية (توقيع الملك، وتوجيهه لرئيس الوزراء)، كان محاولة أخيرة للحفاظ على شكل من أشكال الشرعية الدستورية في لحظة انهيار كامل لنظام الحكم. كما تعكس الوثيقة الدور المحوري الذي لعبه علي ماهر باشا في تلك المرحلة الانتقالية الحساسة، قبل أن تتغير خريطة الحكم في مصر بشكل كامل خلال الأشهر التالية.

تبقى هذه الوثيقة شاهدًا تاريخيًا نادرًا على واحدة من أكثر اللحظات دراماتيكية في تاريخ مصر الحديث، وتُعد مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بدراسة التحولات السياسية التي شهدتها البلاد في منتصف القرن العشرين.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى